قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٨٥

قنطرة الخلق

385

الخاصة، فللعالم العزلة وله العذر فيها، ويتفرد عن الناس بدينه ويدفن العلم ويعبد الله بكتمان علمه، وأخاف أن يكون هذا الذي ذكرناه هو حال زماننا الذكر الصعب الذي عمت فيه الفتنة

وأطبق الكتمان وعظم البلاء ومات الدين وتنكرت الدنيا والله المستعان وعليه التكلان. وأما الجاهل لأمر دينه فعليه بملازمة أحد رجلين عالم يرشده إلى طريق الآخرة، وخدن ينتفع به فيما لا بد له من أمر دنياه وما سوى هذين فليعزله وإن قيض له رجلاً جامعاً له ما يحتاج إليه من / أمر دينه ودنياه ويدع ما سواه والله أعلم.

وأما مدارس علماء الآخرة أهل الاجتهاد في العلم والعبادة المتعاونين على البر والتقوى، فهم أجل إخوان في الله وأعوان على طاعة الله، فلا تشغل الإنسان عنهم عزلة؛ لأنهم جمعوا فائدتين:

إحداهما: العزلة عن العوام ومخالطته أمورهم.

والثانية: اكتساب الثواب الجزيل في مشاركتهم في الجمعة والجماعة ومجالس الذكر وتكثير شعار الإسلام مع ما للناس فيهم من الهداية والبركات والنصيحة فصار الكون معهم أعدل طريقين وأحسن حالاً، وهذا إذا كانت المدارس ثابته على

الصالحين.

رسم

المتقين وسير

السلف

وأما الآن فقد تغيرت الأمور وعظمت البلية واندرس الدين والسير المورثة عن المشايخ فلا سلامة يجدها الإنسان إلا من رزقه والله العمل والتوفيق فليزم بيته ويكف لسانه، ويشارك الناس في أصناف الخيرات من المجالس والخيرات. ويجانبهم في سائر أحوالهم وأمورهم وما هم فيه من الآفات إن وجد إلى ذلك سبيلاً وإلا فليزم. العزلة والغربة والله المستعان وعليه التكلان. وأما الذي يهون عليك العزلة فثلاثة:

أحدهم: استغراق وقتك في العبادة، وقد قال عليه السلام» إن في العبادة لشغلاً». واعلم أن الاستئناس بالناس من علامة الإفلاس فإذا أعطيت العبادة حقها وجدت حلاوة المناجاة فاستأنست كتاب الله فحينئذ تستوحش من الخلق وتشتغل عن صحبتهم وكلامهم.

تخاف

[453/ب]

الثاني: قطع الطمع عنهم / بمرة واحدة فيهون عليك أمرهم؛ لأن من ترجوا نفعه ولا [454/ب] ضره فوجوده وعدمه سواء.

والثالث: تذكر ما في مخالطتهم من الآفات وتكرر ذلك على قلبك. فإن هذه الأمور الثلاثة

إذا لزمتها الطردتك عن صحبة الخلق إلى باب الله تعالى والتفرد لعبادته والله ولي التوفيق والعصمة. قناطر الخيرات ج/ 2/ 25