قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٨٩

قنطرة الشيطان

الإنسان نفسه وهواه وله أسباب ومداخل وهو عنها غافل.

389

ولقد صدق يحيى بن معاذ حيث قال الشيطان فارغ وأنت مشغول، والشيطان يراك وأنت لا تراه وأنت تنساه وهو لا ينساك، فإذاً لا بد من محاربته وقهره. وقد حذر الله منه جميع الناس فقال: {يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِنَ الْجَنَّةِ) (1). ولم يسلما منه في الجنة دار الأمن والسرور بعد أن نبههما على عداوة الشيطان فقال: {يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ ولزَوْجِكَ (2). مع أنه لم ينههما إلا عن شجرة واحدة وأطلق لهما ما وراء ذلك، فإذا لم يأمن نبي من الأنبياء وهو في الجنة من كيد الشيطان، فكيف يجوز لغيره أن يأمن في الدنيا وهي منبع الفتن والمحن ومعدن البلاء والشهوات المنهى عنها؟

(2)

وقد قال موسى عليه السلام هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ (3). وقال لنبيه عليه السلام: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِي إِلا إِذَا تَمَنَّى الْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمنيته … ) (1) الآية.

فصل: في مجاهدة الشيطان

(4)

فإن قال قائل أراك قد عظمت مكر الشيطان ومكائده فكيف الطريق إلى مجاهدته فأعلم أن الناس قد اختلفوا في ذلك. فقال بعضهم: ينبغي للإنسان أن يشتغل بعبادة الله تعالى ولا يلتفت إلى الشيطان بل يجعل بدل التحرز منه طاعة الله تعالى. وقال آخرون: التحرز من الشيطان، وأخذ الحذر منه مقام التوكل على الله عز وجل والاعتماد عليه، إذ لا قدرة للشيطان على إضلال ولا إغواء إلا بمشيئة الرحمن.

وهاتان الطائفتان غالطتان مخالفتان لنصوص القرآن واتفاق أهل الإسلام على وجوب التحرز من الكفار، وإعداد ما استطاعوا لهم من قوة وكراع، وسلاح وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) (5). فكيف يكون أمر الله شغلاً أو توكلاً على غيره.

وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين مكة وعلى رأسه المغفرة وظاهر يوم أحد

بين

بدر عين، فإذا أمرنا بعدو يرانا ونراه فكيف بعد ويرانا ولا نراه؟ ويجري منا مجرى الدم، وقد

(1) سورة الأعراف الآية: 27.

(2) سورة طه الآية: 117. سورة القصص الآية: 15.

(3)

(4) سورة الحج الآية: 52. (5) سورة النساء الآية: 71.