الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٩٠قنطرة الشيطان
أمر الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من جميع الشياطين بقوله: {وَقُلُ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِن هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرون (1). أي في شيء من أحوالي كلها، والتحرز من الشياطين أولى من التحرز من الكافرين، لأن الشيطان إذا أنكبك بشيء من مكره كنت من [1/ 459] العاصين الخاسرين والكفار إذا انكبوك بشيء من مكرهم / كان ذلك مكفراً لسيئاتك فالصواب أخذ الحذر منه كما أمر رب العالمين هكذا في مختصر كتاب الرعاية وقال بعضهم: التدبير في دفع الشيطان الاستعاذة بالله منه لا غير فإن الشيطان كلب سلطه الله عليك فإن اشتغلت بمحاربته وتعبت وضاع عليك وقتك وربما يظفر بك فيعقرك، فإن الرجوع إلى رب الكلب. ليصرفه عنك أولى. وقال آخرون: الطريق المجاهدة، والقيام عليه بالدفع والردّ والمخالفة. والصواب في ذلك أن يجمع بين الطريقين وهو أن يستعيذ بالله تعالى أولاً من شره كما أمرنا وهو الكافي من شره، ثم إنه إذا نازغنا وغلب علينا علمنا أن ذلك إبتلاء من الله ليرى صد مجاهدتنا وقوتنا في أمر الله تعالى وصبرنا كما أنه يسلط علينا الكفار مع قدرته أن يكفينا أمرهم وشرهم ليكون لنا حظ من الجهاد والصبر والتمحيص والشهادة قال الله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ الله لانتصر مِنْهُمْ (2)) الآية. وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ. . . (3)). الآية، فكذلك الشياطين.
وهذا التسليط تسليط تخلية لا تسليط أمر وقهر كما قال: {إِنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ) (4). وأراد إرسال تخلية أي خلى بينهم وبين الكافرين والله أعلم.
واختلف القائلون بمجاهدة الشيطان في كيفية مجاهدته والتحرز منه. فقالت طائفة. منهم: ينبغي أن يؤخذ الحذر منه في أغلب الأحوال توقياً لخطرة يخطرها. وقال آخرون: يؤخذ الحذر منه عند كل طاعة تعرض مخافة أن يدخل فيها ما يفسدها.
وقال بعض العلماء: مجاهدته في ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يعلم الإنسان مكائده وحيله فلا يتخالس (5) على الإنسان حينئذ كاللص إذا
[1/ 460] علم أن صاحب / الدار قد أحسن فَرَّ وهرب.
(1) سورة المؤمنون الآية: 98.
(2) سورة محمد الآية: 4.
(3) سورة محمد الآية: 31. (4) سورة مريم الآية: 83.
(5) في الأصل يتجالس. وهو تصحيف - والسياق يرجح. ما أثبت.