الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٩٥قنطرة الشيطان
395
فهذه الفصول الثلاثة التي لزمتك معرفتها في فصل الخواطر فارعها وامعن النظر فيها ما استطعت فإنها من العلوم اللطيفة والأسرار الشريفة في هذا الباب والله الموفق للصواب بفضله. أما فصل الحيل والمخادعة من الشيطان: فمجرى ذلك ومثاله أن مكائد الشيطان مع ابن آدم في الطاعة. من سبعة أوجه:
الله عصمه
متي
ورده
أحَدُهَا: أن ينهاه عنها فإن عصمه الله ورده بأن يقال أني محتاج إلى ذلك جداً، أنه لا بد لي من التزويد من هذه الدنيا الفانية إلى الآخرة التي لا إنقضاء لها، ثم يأمره بالتسويف، فإن بأن يقول: أجلي ليس بيدي وعلي أني إن سوفت عمل اليوم إلى غد فعمل غد أعمله، فإن لكل يوم. عملاً، ثم يأمره ره بالعجلة فيقول له عجل عجل لتفرغ لكذا وكذا، فإن عصمه الله تعالى ورده بأن يقول له: قليل العمل مع التمام خير من كثير النقصان. ثم يأمره بإتمام العمل مراءة للناس، فإن عصمه الله تعالى ورده بأن يقول: / ما أصنع بمراءة الناس أفلا [، يكفيني رؤية الله تعالى. ثم يريد أن يوقعه في العجب، فيقول: ما أعملك وما أيقظك، فإن عصمه الله ورده بإن يقول المنة الله تعالى في ذلك دوني وهو الذي خصني بتوفيقه وجعل لعملي قيمة بفضله ولو فضله فماذا كان قيمة هذا العمل في جنب نعمة الله تعالى علي وجنب معصيتي له. ثم يأتيه من وجه سادس وهو أعظمها ولا يقف عليه إلا متيقظ وهو أن يقول: اجتهد أنت في السر فإن الله تعالى سيظهره عليك ويلبس كل عامل رداء عمله، وأراد بذلك ضرباً من الرياء، فإن عصمه الله تعالى ورده بأن يقول: يا ملعون إلى الآن كنت تأتيني من وجه إفساد عملي، والآن تأتيني من وجه إخلاصه لتفسده عليّ، إنما أنا عبد ا الله تعالى وهو سيدي إن شاء أظهر، وإن شاء أخفى وإن شاء جعلني خطيراً، وإن شاء جعلني حقيراً، وذلك إليه ولا أبالي أظهر ذلك للناس أو أخفاه عنهم فليس بأيديهم شيء. ثم يأتيه من وجه سابع ويقول لا حاجة لك إلى هذا العمل لأنك إن خلقت سعيداً لم يضرك العمل، وإن كنت شقياً لم ينفعك عملك، فإن عصمه الله تعالى. ورده بأن يقول: إنما أنا عبد وعلى العبد امتثال الأمر لعبوديته، والرب أعلم بربوبيته يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، ولأنه ينفعني العمل كيف ما كنت لأني إذا كنت سعيداً احتجت إلى العمل زيادة للثواب، وإن كنت شقياً فأنا محتاج إليه كي لا ألوم نفسي على أن الله تعالى لا يعاقبني على الطاعة بكل حال ولا يضرني وعلى أني إن دخلت النار وأنا مطيع أحبّ إلي من أن أدخلها وأنا عاص، فكيف ووعده وقوله صدق وقد وعد على الطاعة بالثواب فمن لقي الله تعالى على الإيمان والطاعة / لن يدخل النار البتة ودخل الجنة لأنه [1/ 467] يستحقها بعمله ولكن لوعد الله الصادق ولهذا المعنى أخبر الله تعالى عن السعداء إذا قالوا: