الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤4
قنطرة النفس
وقال بعض الحكماء من ساس نفسه سادَ. ناسه وقال النبي عليه السلام: «الشديد من
غلب نفسه (1)
وعن عون بن عبد الله أنه قال: إذا عصتك نفسك فيما كرهت، فلا تطعها فيما أحببت، ولا يغرنك ثناء من جهل أمرك، فيلزم الإنسان أن يشتغل بعلاج نفسه؛ لأن داءها أعضل الداء، ودواؤها أشكل الدواء، وإنما ذلك لأمرين:
أحدهما: أنه عدو من داخل واللص إذا كان من داخل صعبت الحيلة فيه، وعظم الضرر منه. وقد قال النيسابوري:
ما حيلة الريح إذا من داخل هبت وفلك أوتيت من ساحل والثاني:: أنه عدو، محبوب والإنسان أعمى من عيب محبوبه لا يكاد يبصره، وقد قال النبي عليه السلام: حبك الشيء يُعمي ويصم). كما قال الشاعر:
(2)
برحمته،
فعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا فإذا يستحسن الإنسان من نفسه كل قبيح، ولا يكاد يطلع لها على عيب يدنسها، فإذا كان كذلك، فما أوشك أن توقعه في فضيحة وهلاك وهو لا يشعر إلا إن عصمه الله. وإنما كانت أشد الأعداء؛ لأنها لا يمكن التجرد عنها، ولا أن يقهرها بمرة فيشتغل بغيرها لأنها مطيته التي يقطع بها مسافة العمر، ولا مطمع له في الموافقة على الطاعة والخير؛ لأنها مجبولة على اتباع الشهوة التي هي معدة كل شيء. فحياة الإنسان مقرونة بحياتها، وموته متعلقة بموتها، كما قال القائل:
ولقد هممت بقتلها من أجلها كيما تكون خصيمتي في المحشر ثم ارتجعت فقلت روحي روحها فإذا هممت بقتلها لم أقدر
فلما كان حال النفس هكذا كان الإنسان محتاجاً إلى أن يلجمها بلجام التقوى، / لتبقى له فلا تنقطع، وتنقاد فلا تطغى وتمرح، فيستعملها في المصالح والمراشد، ويجنبها طرق المهالك والمفاسد؛ لأن هذه النفس دابة جموح ومطية صعبة، إن أسرفت عليها في التأديب
(1) ذكره الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (5/ 8). (2) أطرافه عند أبي داود في السنن (5130)، أحمد في المسند (194/ 5)، (450/ 6) التبريزي في مشكاة المصابيح (4908)، الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (117/ 3) وقال العراقي في المغني (31/ 3) رواه أبو داود من حديث أبي الدرداء بإسناد ضعيف.
[4]