قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٤

14

قنطرة النفس

فأما الوجه الأول: فهو أن يقوى سلطان الهوى بكثرة دواعيه فيكل العقل من دفعها مع وضوح قبحها في العقل المقهور بها، وحسم ذلك أن يستعين العقل بالنفس النفورة، فيشعرها [13] ما في عواقب الهوى من شدة / الضرر وكثرة الأوزار.

وقد قال عليه السلام: حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات (1).

فأخبر عليه السلام أن الطريق إلى الجنة احتمال المكاره والطريق إلى النار اتباع الشهوات. وقال علي: إياكم وتحكيم الشهوات على أنفسكم، فإن عاجلها ذميم، وآجلها وخيم، فإن لم تنفع فيها الرهبة فشوبها بالرغبة؛ فإنهما إذا اجتمعتا على النفس ذلت وانقادت، وقد قال الشاعر:

صبرت على الأيام حتى تولت فألزمت نفسي صبرها فاستمرت وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى فإن أطمعت تاقت وإلا تسلت

فإذا انقادت النفس للعقل، تم له الحظ الأوفى من ثواب الخالق وثناء المخلوقين، وقد قال الله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّة هَيَ الْمَأْوَى (2). وعن الحسن أنه قال: أفضل الجهاد جهاد النفس، ويُنشد:

قد يدرك الحازم ذو الرأي الحسن بطاعة الحزم وعصيان الهوى وقال بعض العلماء ركب الله الملائكة من عقل بلا شهوة وركب البهائم من شهوة بلا عقل، وركب ابن آدم من كليهما عقل وشهوة فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم، وينشد:

القبيح

بسببين:

إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت ولم ينهها تاقت إلى كل باطل وساقت إليه الإثم والعار بالذي دعته إليه من حلاوة عاجل وأما الوجه الثاني: فهو أن يخفي الهوى مكره حتى تتموه أفعاله على العقل فيتصور حسناً، وقد قال تعالى: (أَفَمَن زُيَّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، فَرَأَىهُ حَسَنام (3). وذلك إنما يكون

(1) قال العراقي في المغني (4/ 57) متفق عليه من حديث أبي هريرة.

(2) سورة النازعات الآية: 40.

(3) سورة فاطر الآية: 8.