الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٥قنطرة النفس
10
أحدهما: حب/ النفس ذلك الشيء فتعمى عن عيبه، وقد قال عليه السلام: «حبك [14] الشيء يعمي ويصم (1). وينشد لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: ولست براء عيب ذي الود كله ولا بعض ما فيه إذا كنت راضيا
فعين الرضى عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا والسبب الثاني: هو اشتغال الفكر في تمييز ما اشتبه وطلب الراحة في اتباع ما تسهل حتى يظن أن ذلك أحمد الأمرين فيتورط بخدع الهوى وزينة المكر في أقبح الحالتين، ولذلك قيل عن عامر بن المطرب أنه قال: الهوى يقظان، والعقل راقد. وقيل في المثل: العقل وزير ناصح والهوى وكيل فاضح، وينشد:
إذا أنت قد أعطيت بطنك سؤلها وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا فحسم السبب الأول أن يجعل فكر قلبه حكماً على نظر عينيه، فالعين رائد (2) الشهوة، والشهوة من دواعي الهوى والقلب رائد (3) الحق والحق من دواعي العقل، ثم يتهم نفسه في صواب ما أحبته ليستبين له الحق فإن الحق أثقل محملاً فإن اشتبه عليه أمران اجتنب أحبهما إليه، لأن النفس تنفر عن الحق وتؤثر الهوى.
وقد قال العباس بن عبد المطلب: إذا اشتبه عليك أمران فدع أحبهما إليك، وخذ أثقلهما عليك وعلة هذا القول: أن الثقيل تبطاء النفس عن التسرع إليه، فيتضح مع الإبطاء، وطول الزمان صواب ما أستبهم والمحبوب السهل تسرع النفس إليه، فيقصر الزمان عن تصفحه لفكره، ويفوت استدراكه لتقصير فعله فلا ينفع التصفح بعد العمل، والاستبانة / بعد [15] الفوت، وينشد:
أليس طلاب ما قد فات جهلاً ودرك المرء ما لا يستطيع
C
ولقد وصف بعض البلغاء الهوى وما يقارنه من محن الدنيا فقال: الهوى مطية الفتنة والدنيا دار المحنة فانزل عن الهوى تسلم واعرض عن الدنيا تغنم فلا يغرنك هواك بطيب الملاهي، ولا تفتنك دنياك بحسن العواري فمدة الهوى تنقطع وعارية الدهر ترتجع. فيتبقى عليك ما ترتكبه من المحارم وتكسبه من المخازي والمآثم. وقال بعض علماء السلف: سمعتني امرأة في الطواف وأنا أنشد:
(1) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (31/ 3) رواه أبو داود من حديث أبي داود بإسناد ضعيف.
(2) في الأصل زائد بالزاي المعجمة. في الأصل زائد، بالزاي المعجمة.
(3)