الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٧قنطرة النفس
(1)
17
الصدور. وكم كرر ذكره في القرآن فكفى باطلاع العليم الخبير تحذيراً وتهديداً للخواص من العباد؛ لأن المعاملة مع علام الغيوب خطرة عسرة، فانظر ماذا يعلم من قلبك.
(Y)،
والأصل الثاني: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأبشاركم (3). أو قال: أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فالقلب إذا موضع نظر رب العالمين فيا عجباً ممن يهتم بوجهه الذي هو موضع نظر الخلق فينظفه من الأدناس ويزينه لئلا يطلع عليه مخلوق فيه على عيب ولا يهتم بقلبه الذي هو موضع نظر رب العالمين فيطهره ويزينه ويطيبه كيلا يطلع الرب تعالى على دنس فيه وشين وعيب وآفة بل يهمله ويملأه بقبائح وأقذار وفضائح، لو أطلع الخلق على واحدة منها لهجروه وتبرأوا منه وطردوه، والله المستعان. الأصل الثالث: إن القلب ملك مطاع، ورئيس متبع، والأعضاء كلها له تبع، فإذا صلح / التابع، وإذا استقام الملك استقامت الرعية، يبين ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن في [17] الجسد مضغة (3) إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله القلب (4). خزانة كل جوهر صرف العناية إليه.
الأصل الرابع: أن القلب خزانة كل جوهر نفيس للإنسان وكل معنى خطير، أولها العقل، وأجلها معرفة الله عز وجل التي هي سبب سعادة الدارين ثم البصائر التي بها التقدم والوجاهة عند الله عز وجل ثم النية الخالصة في الطاعات التي بها يتعلق ثواب الأبد، ثم أنواع العلوم والحكم التي هي شرف العبد، ثم سائر الأخلاق الشريفة: من الجود، والكرم، والصبر، والشكر اليقين والزهد والرضى، والتوكل والرحمة والرأفة والحلم، والرفق، وغير ذلك مما يطول الكتاب بتعداده.
وحقيق لمثل هذه الخزانة أن تحفظ من الأدناس، وتطهر من الأنجاس، وتحرس من السراق والقطاع، وتكرم بضروب الكرامات بل تعمر بأصناف الخيرات وأنواع القربات لئلا يلحق تلك الجواهر العزيزة دنس أو يظفر بها عدو مهلك.
(1)
سورة الملك الآية: 13.
(2) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار في الأسفار (351/ 4) عن نحوه: رواه مسلم من حديث أبي
(3)
هريرة.
في! الأصل: «بضعة» والتصويب من إحياء علوم الدين (356/ 4). (4) قال العراقي في المغني بهامش المصدر السابق تعليقاً على هذا الحديث والذي جاء فيه بنحوه: متفق عليه
من حديث النعمان بن بشير.
قناطر الخيرات/ ج 3/ م 2