الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٨18
قنطرة النفس
الأصل الخامس: وهو أن العلماء تأملت أحوال القلب فوجدتها خمسة ليست لغيره من
الأعضاء.
أحدها: أن العدو قاصد إليه مقبل عليه ملازم له كما ورد في الحديث: «إن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم (1) فهو منزل الإلهام والوسوسة يقرعه الملك والشيطان بالدعوتين
أبداً.
والثاني: أن الشغل له أكثر فإن الهوى والعقل كلاهما فيه، فهو معترك العسكرين الهوى [18] وجنوده، والعقل وجنوده فهو أبداً بين تحاربهما. وتناقضهما / فيحق بالثغر أن يحرس ويخض
ولا يغفل عنه.
والثالث: أن العوارض له أكثر فإن الخواطر كالسهام لا تزال تقع فيه كالمطر، لا تزال تمطر عليه ليلاً ونهاراً لا تنقطع عنه ولا أنت تقدر على منعها فتمتنع، فليس بمنزلة العين التي هي بين جفنين تغمض فتستريح (2)، أو تكون في موضع خال، أو ليل مظلم فتكفي رؤيتها. واللسان الذي هو وراء الحجابين: الأسنان والشفتين وأنت القادر على منعه، بل القلب
عرض للخواطر لا تقدر على منعها والتحفظ عنها بحال، ولا هي تنقطع عنك بوقت. ثم النفس مسارعة إلى اتباعها فالامتناع عن ذلك في مجهود الطاقة أمر شديد ومحنة
عظيمة.
والرابع: أن علاجه عليك عسير إذ هو غُيّب عنك فلا تكاد تشعر حتى تدب فيه آفة، وتحدث له حالة فتحتاج أن تبحث عن ذلك أتم البحث بطول الجهد ودقيق النظر وكثرة
الرياضة.
الخامس: أن الآفات إليه أسرع، وهو إلى الانقلاب أقرب فلقد قيل: إن القلب أسرع، وهو إلى الانقلاب أقرب. فلقد قيل: إن القلب أسرع انقلاباً من القدر في غليانها (3) ولذلك قيل
فيه:
ما
القلب إلا من تقلبه والرأي يضرب بالإنسان أطوارا
(1) أورده القرطبي في تفسيره (262/ 20).
(2) في الأصل: تسريح. وهو تحريف.
(3) ذكر الحافظ العراقي حديثاً في معنى هذا القول وقال فيه رواه أحمد والحاكم وصححه من حديث
المقداد بن الأسود: قلب المؤمن أشد تقلباً من القدر في غليانها».