قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٢٥

[27]

25

قنطرة النفس

سبحانه الخلق باتساع الأمل حتى عمّر به الأرض فتمَّ صلاحها فصارت تنتقل بعمرانها إلى قرن بعد قرن فيثمر الثاني ما أبقاه الأول من عمارتها ويرم الثالث ما أحدثه الثاني من شعثها، لتكون أحوالها على ممر الإعصار ملتئمة وأمورها منتظمة ولو قصرت الأمال لما تجاوز الواحد حاجة يومه ولا تعدى ضرورة وقته، ولكانت تنتقل إلى من يأتي بعد خراباً لا يجد فيها بلغة، ولا يدرك / منها حاجة، ثم تنقل إلى من يجيء بعد بأسوء من ذلك حالاً، حتى لا ينتمي لها نبت، ولا يمكن فيها لبث.

ولذلك روي عن رسول الله له أنه قال: «الأمل رحمة من الله عز وجل لامتي ولولاه ما غرس غارس شجراً ولا أرضعت أم ولداً. وعن مطرف بن عبد الله أنه قال: لو علمت متى أجلي لخشيت ذهاب عقلي، ولكن الله تعالى مَنْ على عبادة بالغفلة عن الموت، ولولا الغفلة ما تهنوا عيشاً ولا قامت بينهم الأسواق وقد قال الشاعر:

وللنفوس وَإِنْ كَانَتْ عَلَى وَجَل من المَنيَّةِ آمَالٌ تُقوّيها فالْمَرْءُ يَبْسُطُهَا وَالدَّهْرُ يَقْبِضُهَا والنَّفْسُ تَنشُرهَا وَالْمَوتُ يَطْوِيها

،

فلما كان الأمل من أقوى الأسباب في عمارة الدنيا، كان في الآخرة من أعظم أسباب غفلتها وخرابها وقلة الاستعداد لها؛ لأن طول الأمل. العائق عن كل خير هو والجالب لكل شر، وأنه الداء العضال الذي يوقع الخلق في أنواع الفتن والبلايا، ولقد أفصح لبيد بن ربيعة مع أعرابية بما بين به حال الأمرين. فقال: أكذب النَّفْسَ إِن حَدَّتُهَا إِنَّ صِدْقَ النفس يَزْرِي بالأمل غَيْرَ أن لا تُكْذِبتها في التقى وأخرهَا بِالْبِرِ الله الأجل

اعلم أن طول الأمل يهيج للإنسان أربعة أشياء:

أحدها: ترك الطاعة والكسل فيها؛ لأنه يقول سوف أفعل والأيام بين يدي ولا يفوتني ذلك. ولقد صدق داود الطائي فيما يروى عنه حيث قال: من خاف الوعيد قرب إليه البعيد، ومن طال أمله ساء عمله. وعن يحيى بن معاذ أنه قال: الأمل قاطع من كل خير والطمع مانع من كل حق والصبر صائر إلى كل ظفر والنفس داعية إلى كل شر.

والثاني: ترك التوبة وتسويفهم يقول: سوف أتوب وفي الأيام سعة، وأنا شاب وسني قليل، هذا ونحوه يحرك إلى الرغبة في الدنيا والحرص عليها ليتيسر له بذلك العيشة فيها وأقل