الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٦26
قنطرة النفس
ما في الباب أن يشتغل ويضيع وقته باهتمام أشياء لعله لا يدركها.
وقد روي فيه عن أبي ذر رحمه الله أنه قال: قتلني هَم يوم لم أدركه. قيل: وكيف ذلك يا أباذر؟ قال: إن أملي جاوز أجلي.
والثالث: القسوة في القلب، قال الله سبحانه: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (). لأن القلب إنما يصفو ويرق بذلك الموت، والقبر والجنة والنار فإذا طال أمله كان فكره وذكره
الدنيا وأسبابها.
والرابع: نسيان الآخرة كما ورد في الحديث: «إنَّ طول الأمل ينسي الآخرة، فإذا طال أمل الإنسان قلت طاعته وتأخرت توبته وكثرت معصيته واشتد حرصه، وقسى قلبه، وعظمت غفلته عن الآخرة».
فأي حالة أسوأ من هذه، وأي آفة أعظم من هذه وكل هذا سبيله طول الأمل. وحد الأمل إرادة الحياة للوقت المتراخي بالحكم وقصر الأمل هو ترك الحكم فيه، بأن يقيد بالاستثناء بمشيئة الله تعالى وعلمه بالذكر أو بشرط الصلاح والإرادة.
وأما علاجه فبأن يخطر الإنسان في قلبه ذكر الموت والقبر، وخساسة الدنيا، في جنب شرف الآخرة وجلالتها ويتفكر أيضاً في إخوانه وأقرانه الذين غافلهم الموت في وقت لم
يحتسبوه.
ويقول: لعل حالي مثل حالهم ويتذكر قول عيسى عليه السلام: الدنيا ثلاثة أيام: أمس [28] مضى ما بيدك منه شيء، وغد لا تدري أنت تدركه أم لا، ويوم أنت فيه فاغتنم منه. ثم قول أبي الدرداء: الدنيا ثلاث ساعات ساعة مضت، وساعة أنت فيها، وساعة لا تدري أتدركها أم لا، فلست تملك بالحقيقة إلا ساعة واحدة، إذ الموت من ساعة إلى ساعة.
ثم يقول بعض العلماء: الدنيا ثلاثة أنفاس نفس مضى عملت فيه ما عملت، ونفس أنت فيه ونفس لا تدري أتملكه أم لا، إذ كم من يتنفس نفساً ففاجأه الموت قبل النفس الآخر فلست تملك في الحقيقة إلا نفساً واحداً، لا يوماً ولا ساعة، فيتبادر في هذا النفس الواحد إلى الطاعة قبل أن يفوت وإلى التوبة، ولعله في النفس الثاني يموت.
وليوبخ نفسه يقول: احذري يا نفسي الغرور ولا تهتمي بالرزق المقدور فلعلك لا تبقين
(1) سورة الحديد الآية: 16.