الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٧قنطرة النفس
27
لتحتاجي إليه. فيكون وقتك ضائعاً والهم فضلاً، وما عسى أن يهتم الإنسان ليوم أو ساعة أو نفس واحد، فإذا تذكر الإنسان هذه الأذكار وواظب عليها بالإعادة والتكرار قصر أمله بإذن الله
تعالى.
فحينئذ يرى نفسه تبادر إلى الطاعة وتعجل التوبة وتجنب المعصية، وتزهد في الدنيا وطلبها وتتذكر الآخرة، وأهوالها فتزول عن قلبه القسوة وتبدو فيه الرقة والصفوة، وتستشعر عند ذلك الخوف من الله تعالى والخشية، فيستقيم له أمر العبادة ويقوى له الرجاء في أن يسعد في الآخرة، وكل ذلك بعد فضل الله تعالى بقصر الأمل، وبالله التوفيق.
وأما الفرق بين الأمل والأماني:
فالأمل: ما تقيدت بأسباب وذلك أن الرجاء والأمل إنما يكونان بعد تمهيد العمل، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا جَاهَدُوا فِي سَبِيلْ اللَّه أَوْلَئِكَ يَرْجُون رَحَمْتَ [29] الله). وهذا مثل من زرع زرعاً فيأمل في منفعته.
وأما الأماني: فهي ما تجردت عن أسباب قال الله تعالى: وغَرَّتكُمُ الأماني (2). وقال عليه السلام الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد المر - العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني (3).
وعن جابر بن زيد رحمه الله أنه قال: إياكم والأماني فوالله ما نال بها عبد خيراً فيما مضى ولا يناله فيما بقي، وقال تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانَتِكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلُ سُوءًا يُجْزَ بِهِ. غير أن الأماني تروح القلب إذا اغتم قال الشاعر:
(E)،
آخر:
حرك مناك إذا اغتم مت فإنها مراوح
إذا تمنيت بت الليل مغتبطاً إن المنى رأس أموال المغاليس
والله سبحانه نسأله التوفيق لما يحبه ويرضاه.
(1) سورة البقرة الآية: 218.
(2) سورة الحديد الآية: 14.
(3) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (368/ 3) رواه الترمذي وابن ماجة من حديث شداد بن
أوس.
(4) سورة النساء الآية: 123.