الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٢32
(1)
قنطرة النفس
وفي مثلها قد حكي عن ذي النون المصري) أنه قال: من كانت قناعته سمينة طابت له
كل مرقة.
وعن النبي أنه قال: «الدنيا دول فما كان لك منها أتاك على ضعفك، وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك ومن انقطع رجاءه مما فاته استراح، بدنه ومن رضي بما رزقه الله قرت
عينه.
وعن أبي حازم الأعرج أنه قال: وجدت الدنيا شيئين: شيء هو لي لن أعجله قبل أجله ولو طلبته بقوة أهل السماوات والأرض، وشيء هو لغيري وذلك مما لم أنله فيما مضى ولا أناله فيما بقي يمنع الذي لي من غيري كما يمنع الذي لغيري مني، ففي أي هذين أفني عمري
وأهلك نفسي.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خير أمتي الذين لم يعطوا حتى يبطروا، ولم يقتر عليهم حتى يسئلوا والله سبحانه نسأله أن يحسن لنا التوفيق فيما منح ويصرف عنا الرغبة فيما
منع.
وأما الدواء الذي يكسب القناعة ويزول الحرص به:
فهو مركب من ثلاثة أركان الصبر والعلم والعمل، ومن مجموع ذلك خمسة أمور:
الأول: وهو العمل: الاقتصاد في المعيشة والرفق بالانفاق، فمن أراد عز القناعة فليقتصر في جميع أحواله على ما لا بد منه، بل إن كان وحده ينبغي أن يقنع بثوب واحد خشن، ويقنع [35] بأي طعام وجد / ويقلل من الإدام ما أمكنه ويوطن نفسه عليه. وإن كان له عيال فليرد كل واحد منهم إلى هذا القدر، فإن هذا القدر يتيسر بأدنى جهد، ويمكن معه الإجمال في الطلب، والاقتصاد في المعيشة هو الأصل في القناعة ونعني به الرفق في الإنفاق وترك الخرق إذ قال
: إن الله يحب الرفق في الأمر كله (2). وقال أيضاً: ما عال - أي افتقر - اقتصد» (3). - من
البريد من مصر
(1) هو: ثوبان بن إبراهيم، وقيل: فيض بن أحمد، وقيل فيض بن إبراهيم النوبي الإخميمي، يكنى أبا الفيض، ويقال: أبا الفياض، شيخ الديار المصرية الزاهد، ولد في أواخر أيام المنصور قال السلمي: حملوه على إلى المتوكل ليعظه في سنة (244)، وكان إذا ذكر بين يدي المتوكل أهل الورع بكي، واختلف في تاريخ وفاته فقيل سنة (245) وقيل: سنة (248). (سير أعلام النبلاء 532/ 11 بتصرف). (2) قال الحافظ العراقي في المغني: متفق عليه من حديث عائشة. (3) قال الحافظ العراقي: رواه أحمد والطبراني من حديث ابن مسعود وراوه من حديث ابن عباس بلفظ
مقتصد.