الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٩39
قنطرة النفس
وقيل: إنه قيل لابن المبارك: أجمل لنا حسن الخلق في كلمة. فقال: ترك الغضب. ويروى أن بعض الأنبياء عليهم السلام قال لمن معه من تكفل لي أن لا يغضب فيكون في درجتي ويكون بعدي خليفتي فقال شاب من القوم أنا، ثم أعاد عليه فقال الشاب: أنا. ووفى له فلما مات كان في منزلته بعده وهو ذو الكفل في قول بعضهم: سمي به لأنه؛ تكفل بترك الغضب فوفي به وعن وهب بن منبه أنه قال: للكفر أربعة أركان: الغضب والشهوة
معي
والخرق والطمع
(1)
بيان حقيقة الغضب
اعلم أن الله سبحانه لما خلق الحيوان معرضاً للفساد والموتان بأسباب في داخل بدنه، وأسباب خارجة عنه أنعم عليه بما يحيمه من الهلاك والفساد إلى وقت الأجل المعلوم. أما السبب الداخل: فهو أنه (2). ركبه من الرطوبة والحرارة فهما متعاديتان متضادتان والحرارة تجفف الرطوبة حتى تتغشى أجزاءها، وتصير بخاراً يتصاعد منها، ولو لم يتصل بالرطوبة مدد الغذاء يجبر ما أنحل من أجوائها لفسد الحيوان. فخلق الله الغذاء الموافق لبدن الحيوان وخلق في الحيوان شهوة تبعث على تناول الغذاء كالموكل به في جبر ما انكسر وتحلل ليكون ذلك حافظاً له من الهلاك بهذا السبب "
من
(3)
وأما الأسباب الخارجة: فكالسيف والسنان وسائر المهلكات التي يقصد بها / فافتقر إلى [42] قوة وحمية تثور من باطنه، فيدفع بها المهلكات عنه، فخلق الله الغضب فعجنه بطينة الإنسان فمتى قصد بمكروه اشتعلت نار الغضب، وثارت ثوراناً يغلي بها دم القلب وينتشر من العروق ويرتفع إلى أعالي البدن كما يرتفع الماء الذي يغلي في القدر.
فلذلك ينصب إلى الوجه فيحمر الوجه والعين والبشرة بصفائها تحكي لون ما ورائها من حمرة الدم كما تحكي الزجاجة لون ما فيها وإنما ينصب الدم إذا غضب على من دونه، واستشعر القدر عليه. فإن صدر الغضب عَمَّن فوقه وكان معه إياس من الانتقام تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجسد إلى جوف القلب وصار جزعاً، ولذلك يصفر اللون وإن كان على نظير شك فيه تولد منه تردد من انقباض و انبساط فيحمّر ويصفر ويضطرب وبالجملة فقوة الغضب
(1) الفقرة بتمامها في إحياء علوم الدين (162/ 3: 163). (2) في الأصل: «أن». والتصويب من المصدر السابق. (3) راجع السبب الداخل بنصه في المصدر السابق.