الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٠قنطرة النفس
محلها القلب، وإنما تتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها. فالانتقام قوة هذه القوة وهي على درجات ثلاث: في أول الفطرة من التفريط، والإفراط والاعتدال.
(2)
أما التفريط: ففقده هذه القوة أو ضعفها وذلك مذموم وهو الذي يقال فيه لا حمية له. ولذلك قال الشافعي: من استغضب ولم يغضب فهو حمار ومن استرضى ولم يرض فهو شيطان؛ لأن فقد قوة الغضب، والحمية فهو ناقص جداً وقد وصف الله تعالى الصحابة من بالشدة والحمية فقال: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ (1). وقال لنبيه عليه السلام: وجاهد الكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ) (2) الآية. وإنما الغلظة والشدة من آثار قوة الحمية وهو الغضب. وأما الإفراط فهو أن تغلب عليه هذه الصفة / حتى يخرج من سياسة العقل والدين فمهما اشتدت نار الغضب اعمت صاحبها وأصممته عن كل موعظة ولا تبقي للمرء معها بصيرة فإذا وعظ لم يسمع بل زاده الغضب عماً وصمماً، وإن استضاء بنور عقله وراجع نفسه لم يقدر
إذ ينطفاء نور العقل بدخان الغضب.
فإن معدن الفكر الدماغ ويتصاعد عند شدة الغضب من غليان دم القلب دخان إلى الدماغ مظلم يستولي على معادن الفكر وربما يتعدى إلى معادن الحس فتظلم عينه وتسود الدنيا بأسرها ويكون دماغه مثل كهف أضرمت فيه نار فاسود وجهه وحمي مستقره وامتلأت بالدخان جوانبه وكان فيه سراج ضعيف، وبالحقيقة فالسفينة في ملتطم الأمواج عند اضطراب الرياح أحسن حالاً وأرجى سلامة من النفس المضطربة غيظاً؛ إذ في السفينة من يحتال لتسكينها.
وأما القلب فهو صاحب السفينة وقد سقطت حيلته إذ أعماه الغضب وأصمه وربما تقوى نار الغضب فتفنى الرطوبة التي بها حياة القلب، فيموت صاحبه غيظاً كما تقوى النار في الكهف فيتشقق، وتنهد أعاليه على أسافله، فهكذا حال القلب مع الغضب.
وأما آثار الغضب في الظاهر: فانقلاب صورته وتغير وجهه، وارتعاد أطرافه، وانطلاق لسانه بما يستحيى من ذكره، وخفة عقله ووثوبه من مجلس كأنه نمر، وسرعة التفاته يميناً كأنه وشمالاً كأنه قرد، وعدم فهمه ما يسمع بهيمة، وقلة التفاته إلى من يعظه كأنه أحمق، ولو رأى الغضبان قبح صورته في حال غضبه لسكن غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته. وفي كتاب سراج الملوك: قال / وكان سبب موت مروان بن عبد الملك وقع بينه وبين
(1) سورة الفتح الآية: 29. (2) سورة التحريم الآية: 9.
[43]
[44]