قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٤٢

42

قنطرة النفس

وأما الاعتدال في الغضب فهو الذي ينتظر إشارة العقل والدين فينبعث حيث تجب الحمية، وينطفاء حيث يحسن الحلم، وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله بها عبادة وهو الوسط الذي وصفه عليه السلام حيث قال: «خير الأمور أوسطها» (1). وقد قال الله لنبيه عليه السلام: جَاهِدِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (2). وقال

أيضاً: {وَاخْفِضْ جِناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (3).

ويروى عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه: يا بني لا تكن حلواً عند السفهاء فيبتلعونك ولا مراً عند الفقهاء فيرفضوك.

وفي المثل: لا تكن رطباً فتعصر ولا يابساً فتكسر إشارة إلى وسط الأمور، فمن مال غضبه إلى الفتور والضعف حتى أحس من نفسه ضعيف الغيرة واحتمال الذل في غير محله، فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوي غضبه ومن مال غضبه إلى الإفراط جره إلى التهور، واقتحام الفواحش، فينبغي أن يعالج نفسه ليكسر من فوره الغضب ويقف على الأوسط بين الطرفين وهو الصراط المستقيم وهو أدق من الشعر، وأحد من السيف فهذه حقيقة الغضب ودرجاته.

فصل

وأما هل يمكن إزالة الغضب بالرياضة فقد اختلف في ذلك، ولكن الحق فيه، ما نذكره وذلك أن الذي يغضب الإنسان من أجله ثلاثة أقسام:

أحدهما: ما هو ضرورة في حق الكافة وهو القوت المسكن والملبس وصحة البدن، فمن قصد بدنه بالضرب أو الجرح فلا بد أن يغضب، وكذلك ما يواري عورته أو يسد جوعته، [46] أو إخراج من داره لا يخلو الإنسان من غيظ على / من أخذ منه هذه الأشياء.

الثاني: ما ليس بضروري كالجاه وفضول المال، فإن الزاهد في الدنيا ربما لا يغضب إذا

أخذ منه لعدم حبه له، وأما الراغب فيها فإنه يغضب لأنه محبوب عنده.

الثالث: ما يكون ضرورياً في حق بعض الناس كأدوات الصناع، وكتب العالم، فإن هؤلاء يغضبون إذا أخذت منهم لأنهم بها يتوصلون إلى المكاسب فصارت محبوبة عندهم وهذا

(1) قال العراقي في المغني: (165/ 3): رواه البيهقي في الشعب مرسلاً.

(2) سورة التحريم الآية: 9. (3) سورة الشعراء الآية: 215.