الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٤[48]
22
فصل: فيما يهيج الغضب
قنطرة النفس
وروي أن.
يحيى
قال لعيسى عليهما السلام أي شيء أشد؟ قال: غضب الله. قال: فما يقرب من غضب الله؟ قال: أن تغضب. قال: فما يبدي الغضب؟ قال عيسى: الكبر، والفخر، والتعزز، الحمية.
وأما الأسباب التي تهيج الغضب فهي الزهو، والعجب والمزح، والهزل، والهزء، والتعيير، والمماراة والمضارة والغدر وشدة الحرص على فضول المال والجاه، وهي بأجمعها أخلاق رديئة مذمومة شرعاً، فلا خلاص عن الغضب مع بقاء هذه الأسباب فلا بد من إزالتها بأضدادها. فينبغي أن يميت الزهو بالتواضع ويميت العجب بالمعرفة بنفسه، ويزيل الفخر بأنه من جنسه عبده، إذا الناس يجمعهم في النسب آدم عليه السلام وإنما اختلفوا في الفضل. وأما المزح: فيزيله بالاشتغال بالمهمات الدينية التي يستوعب العمر دونها.
وأما الهزل فيزيله: بالجد في طلب الفضائل والعلوم الدينية. وأما الهزء: فيزيله بالتكرم عن إيذاء / الناس وبصيانة النفس عن أن يستهزأ به. وأما التعبير: فبالحذر عن القول القبيح.
وأما شدة الحرص على فضول العيش: فيزال بالقناعة بقدر الضرورة طلباً لعز الاستغناء وهكذا كل خلق رديء يزال بضده ويفتقر في ذلك إلى رياضة وتحمل مشقة، حتى يصير بالعادة مألوفاً هيناً على النفس (1) والله أعلم.
أمور:
فصل: في علاج الغضب
اعلم أن الغضب إنما يعالج عند هيجانه، بمعجون العلم والعمل، أما العلم فهو خمسة
أحدها: أن يتفكر من الأخبار التي تأتي من فضل كظم الغيظ والحلم ويرغب في ثوابها
فيمنعه عن التشفي والانتقام وينتفي غضبه.
وعن مالك بن أوس قال: غضب عمر على رجل وأمر بضربه، فقلت: يا أمير المؤمنين خُذِ العَفْوَ وَأْمُر بِالْعُرْفِ) (2) وكان وقافاً (3) على كتاب الله مهما تلي عليه، كثير التدبر فيه،
(1) راجع هذه الأسباب بشيء من التفصيل في كتاب إحياء علوم الدين (168/ 3).
(2) سورة الأعراف الآية: 199. (3) في الأصل: «واقفاً» وهو تحريف.