الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٥[49]
45
قنطرة النفس
فتدبرها وخلي الرجل. قال: وأمر عمر بن عبد العزيز بضرب رجل ثم تلى قوله: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ (1). قال لغلامه: خلّ عنه.
الثانية: أن يخوف نفسه بعذاب الله تعالى وقد روي أن الله سبحانه يقول في بعض الكتب: يا ابن آدم اذكرني حيث تغضب أذكرك حيث أغضب فلما أمحقك فيمن أمحق. أن ويروي
النبي صلى الله عليه وسلم بعث وصيفاً إلى حاجة فأبطأ عليه فلما جاء قال: «لولا القصاص
لأوجعتك (2) أي القصاص في القيامة.
قيل: لم يكن في بني إسرائيل ملك إلا ومعه حكيم إذا غضب أعطاه صحيفة وفيها: أرحم المساكين واخش الموت وأذكر الآخرة فكان يقرأها حتى يسكن غضبه.
الثالث: أن يحذر نفسه عاقبة العداوة والانتقام، وتشمر العدو بمقابلته، والسعي في هدم / أغراضه والشماتة بمصائبه، فيخوف نفسه بعواقب الغضب في الدنيا إن كان لا يخاف من الآخرة، وهذا يرجع إلى تسليط شهوة على غضب، وليس هذا من أعمال الآخرة ولا ثواب عليه إلا أن يكون محذوره أن يشوش فراغه للعلم أو للعمل للآخرة فيكون مثاباً عليه.
الرابع: أن يتفكر في قبح صورته عند غضبه، بأن يتذكر صورة غيره في حالة الغضب، ويتفكر في قبح الغضب في نفسه، ومشابهة صاحبه للكلب الضاري والسبع العادي، ومشابهة التارك للغضب للأنبياء والحكماء، ويخير نفسه بأن يشبه الكلاب والسباع وأراذل (3) الناس، وبين أن يشبه الأنبياء والعلماء ليميل بالاقتداء إليهم إن كان قد بقي معه مسكة
من عقل.
الخامس: أن يتفكر من السبب الذي يدعوه إلى الانتقام ويمنعه من كظم الغيظ ولا بد أن يكون له سبب مثل قول الشيطان له: إن هذا عمل منك بالعجز والمهانة تصير به حقيراً في أعين الناس، فليقل لنفسه: ما أعجبك تأنفين من الاحتمال الآن، ولا تأنفين، من خزي يوم القيامة أفلا تحب أن تكون هو القائم إذا نودي يوم القيامة: ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفي فهذا وأمثاله من معارف الإيمان ينبغي أن يقرره على نفسه.
(1) سورة آل عمران الآية: 134.
(2) قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (169/ 3) رواه أبو يعلى من حديث أم سلمة بسند ضعيف. (3) في الأصل: «أرذال». والتصويب من إحياء علوم الدين (169/ 3).