الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٤٩قنطرة النفس
49
وقيل لعمر بن عبيد: إن فلاناً نال منك. فقال: الموت يعمنا والحشر يضمنا، والقيامة
تجمعنا، والرب يقضي بيننا.
ويروى أن امرأة كانت تغزل فجاءت صبية فقطعت لها غزلها سبعين مرة، فلم تغضب.
فقيل لها في ذلك فقالت: يجزيني الله فأجتهد. أكون من الصالحات.
ويروي
حتى
أن عيينة بن حصن كان له ابن أخ وكان عمر رضي الله عنه يدنيه، فدخل عيينة
يوماً مع ابن أخيه على عمر. فقال عيينة: والله ما تقضي بالعدل ولا تعطي الجزل.
/ فغضب عمر حتى عرف الغضب في وجهه، فقال ابن أخي عيينة: يا أمير المؤمنين ألم [53]
تسمع قول الله تعالى: (خُذ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (1). فقال عمر: صدقت، فكأنما كنت (2) ناراً فاطفئت. وقال محمد بن كعب ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله، إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه من الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له.
ويروى أن رجلاً قال لسلمان رحمه الله: يا أبا عبد الرحمن أوصني. فقال: لا تغضب. قال: لا أقدر. قال: فإن غضبت فأَمسِكَ لسانك ويدك (3) والله أعلم.
فصل: في فضيلة الحلم
تكلف
اعلم أن الحلم أفضل من كظم الغيظ؛ لأن كظم الغيظ عبارة عن التحلم: وهو الحلم بالمجاهدة حتى يكون له ذلك عادة، فإذا هاج غيظه لم يكن عليه في كظمه تعب وهو الحلم الطبيعي وهو دلالة كمال العقل، وإنكسارة قوة الغضب، وخضوعها له، ولكن ابتداء التحلم وكظم الغيظ تكلف.
وقد قال عليه السلام: إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ومن يتحر الخير يعطه ومن يتوق الشر يوقه» (4). أشار بهذا أن اكتساب الحلم طريقة التحلم. أولاً وتكلفه، كما أن اكتساب العلم طريقه التعلم. وقيل للأحنف بن قيس: ما أحلمك؟! فقال: لست بحليم ولكني أتحلم،
(1) سورة الأعراف الآية: 199.
(2) في الإحياء .. كانت (172/ 3).
(3) راجع الباب مختصراً في إحياء علوم الدين الموضع السابق.
(4) قال العراقي في المغني (172/ 3) رواه الطبراني والدارقطني في العلل من حديث أبي الدرداء بسند
ضعيف.
قناطر الخيرات / ج 3/ م 4