الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥٢52
قنطرة النفس
وأمسى كريما (1) ثم تلى إبراهيم بن ميسرة وهو الراوي فيما قيل: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُوا کر امام. وقيل في منثور الحكم من أوكد الحلم رحمة الجهال.
ويروي
أن رجلاً سَبَّ الأحنف وهو يماشيه في الطريق، فلما قرب من المنزل، وقف الأحنف وقال: يا هذا إن كان بقي معك شيء فقله هاهنا؛ فإني أخاف أن يسمعه فتيان الحي
فيؤذوك.
وعن أبي الدرداء أنه قال للرجل وقد اسمعه كلاماً: يا هذا لاتفرقن في سبنا ودع للصلح موضعاً؛ فإنا لا نكافاء مَنْ عصَى فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه. قالوا: واغتاظت عائشة رضي [56] الله عنها على خادم لها /، ثم رجعت إلى إلى نفسها فقالت: الله در التقوى ما تركت لذي غيظ
شفاء.
عليه.
وحسن
الثقة
والثاني من أسباب الحلم القدرة على الانتصار: وذلك من. سعة الصدر وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة
وقد روي أن معاوية قسم قطفاً، فأعطى شيخاً من أهل ذي مشق قطيفة فلم تعجبه، فحلف أن يضرب بها رأس، معاوية فأتاه فأخبره، فقال معاوية أوف بنذرك وليرفق الشيخ
بالشيخ.
والثالث من أسبابه الترفع عن السباب وذلك من شرف النفس وعلو الهمة كما قالت الحكماء شرف النفس أن تتحمل المكاره كما تتحمل المكارم وقد قيل: إن الله عز وجل سمّى يحيى سيد الحلمة. قال الشاعر.
لَنْ يَبْلُغَ الْحِلْمَ أَقْوَامٌ وَإِنْ كَرُمُوا حَتَّى يَذِلُّوا وَإِنْ عَزَّوا الأَقْوَام ويشتموا وَتَرَى الأَلْوَانَ مُسْفِرة لا صَفَح ذُلُّ وَلَكِن صَفح إكرام والرابع من أسبابه الاستهانة بالسباب: وذلك عن ضرب من الكبر والاعجاب، كما حكي عن مصعب بن الزبير أنه لما ولي العراق وجلس يوماً لعطاء الجند فأمر مناديه فنادى ابن عمر بن جرموز وهو الذي قتل أباه الزبير فقال: أيها الأمير إنه قد باعد في الأرض، فقال: أوظن الجاهل أني اقيده بأبي عبد الله فليظهر آمناً وليأخذ عطاه موفراً. فعد الناس ذلك من مستحسن الكبر. وفي مثل ذلك قال بعض الشعراء:
(1) قال العراقي في المغني (173/ 3) رواه ابن المبارك في البر والصلة.