الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥٥[60]
55
قنطرة النفس
وفي منثور الحكم: الحلم حجاب الآفات.
والتاسع من أسبابه الرعاية ليد سالفة وحرمة لازمة وهذا يكون من الوفاء وحسن العهد. وقيل في منثور الحكم من ظهر غضبه قل كيده وقال بعض الأدباء: غضب الجاهل في قوله وغضب العاقل في فعله وينشد:
تُعَاقِبُ أَيْدِينَا وَيَحْلُمُ رَأَيْنَا وَنَشْتِمُ بِالْأَفْعَالِ لا بالتكلم والعاشر من أسبابه المكر وتوقع الفُرص الخفية وهذا يكون من الدهاء والخفية. فهذه عشرة أسباب تدعو إلى الحلم وبعضها أفضل من بعض، وإنما الأولى بالإنسان أن يدعوه إلى الحلم أفضل أسبابه، وأفضلها ما اجتمع فيه سلامة الدنيا مع ثواب العقبى فإن عرى الحلم من أحد هذه الأسباب كان ذلاً ولم يكن حلماً لأنه قد تقدم في حدّ الحلم أنه ضبط النفس عند هيجان الغضب فإذا قعد الغضب عند سماع ما يغضب به كان ذلك من ذلك النفس، وقلة الحمية، ولذلك قال لقمان لابنه: يا بني ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا عند الحرب، ولا الأخ إلا عند الحاجة. قال الشاعر: / ليست الأَحْلامُ في حَالِ الرَّضَى أَنَّمَا الأحْلامُ فِي حَالِ الْغَضَب
آخر:
ومن
مَنْ يَدَّعِي الْحِلْمَ فَأَغْضِبْهُ لِتَعْرِفَهُ لا يُعْرَفُ الْحِلْمُ إِلَّا سَاعَةَ الْغَضَبِ فقد الغضب في الأشياء المغضبة حتى استوت حالتاه قبل الإغضاب وبعده فقد عدم من فضائل: النفس الشجاعة والأنفة، والحمية، والغيرة، والدفاع، والأخذ بالثأر لأنها خصال مركبة من الغضب. ويُنشد للنابغة وأنشدها بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم:
وَلَا خَيْرَ فِي حِلْمٍ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ بَوَادِرُ تَحْمِي صَفْوَهُ أَنْ يَكْترا وَلَا خَيْرَ فِي جَهْلٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَلِيمٌ إِذَا مَا أَوْرَدَ الأَمْرَ أَصْدَرًا
ويقال: لما أنشدها النابغة قال النبي: لا يفضض الله فاك (1).
(1) قال العراقي في المغني تعليقاً على الحديث (272/ 2) رواه البغوي في معجم الصحابة وابن عبد الاستيعاب بإسناد ضعيف من حديث النابغة واسمه قيس بن عبد الله قال: أنشدت النبي صلى الله عليه وسلم: بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا نرجو فيه فوق ذلك مظهرا الأبيات. ورواه البزار بلفظ: علونا العباد عفة وتكرما. الأبيات. وفيه فقال: أحسنت يا أبا ليلى لا يفضض الله فاك، وللحاكم من حديث خزيم بن أوس سمعت العباس يقول: يا رسول الله إني أريد أن =