الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥٨58
قنطرة النفس
وقال بعض العلماء: الحلم أرفع من العقل لأن الله تعالى تسمّى به. وقال رجل لأبي بكر [63] رضي الله عنه: والله لأسبنك سباً يدخل / معك قبرك، قال معك لا.
[64]
معي.
وقيل لبعض الصالحين: إن فلاناً يقع فيك فقال: لأغضبن من أمره. قال: ومن أمره؟ قال: الشيطان. وقال رجل لأخيه مررت بفلان وهو يقع فيك ويذكر أشياء رحمتك منها. قال: سمعتني أذكره بشيء؟ قال: لا. قال: فإياه أرحم.
وسئل بعض أصحاب الأحنف: أكان الأحنف يغضب؟ قال: لو لم يغضب ما بان حلمه كان يغضبه الشيء فيتبين في وجهه اليوم واليومين والثلاثة وهو يصبر ويحلم.
ويروي
أن بعض الحكماء دخل عليه صديق له فقدم له الطعام، فخرجت امرأة الحكيم وكانت سيئة الخلق فرفعت المائدة، وأقبلت على شتم الحكيم، فخرج الصديق مغضباً فاتبعه الحكيم، وقال: تذكر يوماً كنا في منزلك نطعم فسقطت على المائدة دجاجة فأفسدت ما عليها فلم يغضب منها أحد منا؟ قال: نعم.
قال: فاحسب أن هذه مثل تلك الدجاجة، فسرى عن الرجل فأبصر، وقال: صدق الحكيم [الحلم] (1) شفاء من كل ألم. وروي أن رجلاً ضرب قدم حكيم فأوجعه، فلم يغضب فقيل له في ذلك فقال: أقمته مقام حجر عثرت بها وربحت الغضب. ومن أحكم ما قيل في تدبير الحلم والغضب هذه الأبيات:
إِذَا أَمِنَ الْجُهَّالُ جَهْلَكَ مَرَّةً فَعَرْضُكَ لِلْجُهَالِ عَنْمُ مِنَ الْغَنْمِ فَعَمَّ عَلَيْهِ الْحِلْمُ وَالْجِهْلُ وَالْقِيهِ بِمَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْعَدَاوَةِ والسِّلْ إذا أنتَ جَارَيْتَ السَّفِيةَ كَمَا جَرَى فَأَنْتَ سَفِيْهُ مِثْلَهُ غَيْرَ ذِي حِلْمِ وَلَا تَغْتبَنَّ عَرْضَ السَّفِيةَ وَدَارِهِ بِحِلْم فَإِنْ أَعْبَا عَلَيْكَ فَبِالصَّرْمِ فَيَرْجُوكَ تَارَةً وَيَخْشَاكَ تَارَة تَأْخُذُ فِيْمَا بَيْنَ ذَلِكَ بِالْحَزْمِ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ بُداً مِنَ الْجِهْلِ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِجَهَالِ فَذَاكَ مِنَ الْعَزْمَ
/ فهذا التدبير إنما يستعمل فيمن لم يجد الإنسان من مقاربته ولا سبيل إلى إطراحه إما لخوف شره أو للزوم، أمره، فأما من أمكن إطراحه فلم يضر إبعاده، فالاعراض عنه أصون،
وعلى النفس أهون، والله أعلم.
(1)
ما بين المعقوفين من إحياء علوم الدين للغزالي (175/ 3) ومعظم الآثار الوارده هنا منه.