الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٦٧قنطرة النفس
67
أعطاك ما تحب من الظفر / فاعط الله ما يحب من العفو فعفا عنهم. ويحكى عن المأمون أنه [74] قال لعمه إبراهيم بن المهدي وكان مع أخيه عليه مظلمة: إني شاورت في أمرك، فأشاروا عليَّ بقتلك إلا أني وجدت قدرك فوق ذنبك، فكرهت القتل للازم حرمتك. فقال: يا أمير المؤمنين إن المشير أشار بما جرت به العادة في السياسة، إلا أنك أبيت أن تطلب النصر إلا من حيث عودته من العفو فإن عاقبت فلك نظير وإن عفوت فلا تطير لك وأنشأ يقول:
البر منك وطاء العذر عنك لي فيما فعلت فلم تعذل ولم تلم وقام علمك
فاحتج عندك بي
لي
مقام شاهد عدل غير متهم لئن حجدتك معروفاً مننت به إني لفي اللؤم أحظى منك في الكرم
تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به فلا عدمناك عاف
وروي
من
ومنتقم أن زياداً أخذ رجلاً من الخوارج أو من المحكمة فأفلت منه فأخذ أخاً له، فقال: إن جئت بأخيك وإلا ضربت عنقك. فقال: أرأيت إن جئت بكتاب من أمير المؤمنين أتخلي سبيلي؟ قال: نعم. قال: فأنا أتيك بكتاب من الله العزيز الحكيم وأقيم عليه شاهدين عدلين إبراهيم وموسى أنه أَمَ لَمْ يُنَبَأُ بِمَا فِي صَحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (1). فقال: زياد خلوا سبيله، هذا رجل لقن حجته. وقيل: مكتوب في الإنجيل: من استغفر لمن ظلمه فقد هزم الشيطان (2). والله أعلم.
قد
(Y).
فصل: في الحسد
تقدم أن الحسد من ثمرات الحقد ونتائجه، والحقد من نتائج الغضب، فهو فرع فرع
الغضب والغضب أصل أصله، ثم للحسد من الفروع المذمومة ما لا يكاد يحصى.
وقد روي في ذم الحسد خاصة أخبار كثيرة قال صلى الله عليه وسلم «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل [75] النار الحطب (3). وعنه أنه قال: «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانا (4). وعن أنس أنه قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة. قال: فطلع رجل من الأنصار تنضف لحيته من وضوء، قد علق نعليه بيده فسلم فلما كان. من الغد، قال عليه السلام مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل، وقاله
(1) سورة النجم الآيات: 36، 37، 38.
(3)
(2) راجع الفصل بأكمله زيادات ونقص وتقديم وتأخير في إحياء علوم الدين (177/ 3: 180). قال العراقي في المغني: (183/ 3) رواه أبو داود من حديث أبي هريرة وابن ماجة من حديث أنس. (4) متفق عليه قاله العراقي في المصدر السابق.