قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٧١

[79]

قنطرة النفس

71

ذَا نَفَس دَائِم عَلَى نَفَس يُظْهِرُ مِنْهُ مَا كَانَ مَكْتُوماً معاوية أنه قال: ليس في خصال الشر أعدل من الحسد يقتل الحاسد قبل أن يصل

وعن

إلى المحسود. وقال بعض الحكماء: يكفيك من الحسود أن يغتم في وقت سرورك. وفي منثور الحكم عقوبة الحاسد من نفسه. وعن الأصمعي قال: قلت لأعرابي: ما أطول عمرك؟ قال: تركت الحسد فبقيت. وقال رجل لشريح القاضي: أني لأحسدك على ما أرى من صبرك على الخصوم، ووقوفك على غامض الحكم. فقال: ما نفعك الله بذلك ولا ضرني. وأنشد لعبد الله بن المعتز:

أصبِرْ عَلَى شَرِّ الْحَسُودِ فإِنَّ صَبْرَكَ قَاتِلُه وَالنَّارُ تَأَكُلُ بَعْضَهَا إنْ لَمْ تَجِدُ مَا تأَكُلُه

حكاية في الحسد: وحكي عن بكر بن عبد الله أنه قال: كان رجل يغشى بعض الملوك، فيقوم بحذاء الملك ويقول: أحسن إلى المحسن بإحسانه، والمسيء سيكفيك مساوئه، فحسده رجل على ذلك المقام والكلام فسعى به إلى الملك. وقال: إن هذا الذي يقوم بحذائك ويقول ما يقول زعم أن الملك أبخر منتن الفم. فقال له الملك: وكيف يصح ذلك عندي؟ قال: تدعوه إليك فإذا دنا منك وضع يده على أنفه أن لا يشم رائحة البخر. فقال: انصرف حتى أنظر. فخرج من عند الملك فدعى الرجل إلى منزله فأطعمه طعاماً فيه ثوم فخرج الرجل من عنده وقام بحذاء الملك. فقال: أحسن إلى المحسن بإحسانه والمسيء سيكفيك

مساوئه.

فقال له الملك: أدن مني / فدنا فوضع يده على فيه مخافة أن يشم منه الملك ريح الثوم. فقال الملك في نفسه: ما أرى فلاناً إلا وقد صدق قال وكان الملك لا يكتب بيده إلا جائزة أو صلة فكتب كتاباً بخطه إلى عامل من عماله إذا أتاك صاحب كتابي فاذبحه واسلخه واحشي جلده تبناً وابعث به إليّ، فأخذ الكتاب فخرج فليقه الرجل الذي سعى به. فقال: ما هذا الكتاب؟ فقال: خط الملك لي بصلة. فقال: هبه لي (1). . فقال: هو لك. فأخذه ومضى إلى العامل. فقال العامل: في كتابك أن أذبحك وأسلخك. فقال: إن الكتاب ليس هو لي، الله الله في أمري حتى أراجع الملك. فقال: ليس لكتاب الملك مراجعة، فذبحه وسلخه وحشى جلده تبناً وبعث به إلى الملك، ثم عاد الرجل إلى الملك كعادته، وقال مثل قوله فتعجب الملك!!

(1) في الأصل مني والتصويب من إحياء علوم الدين (185/ 3).