الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٧٣قنطرة النفس
وينشد:
73
إِنَّ يَحْسِدُونِي فَإِنِّي غَيْرَ لَائِمهم قَبْلِي رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الفَضْلِ قَدْ حُسِدُوا فَدَامَ لِي وَلَهُمْ وَمَا بِهمْ وَمَاتَ أَكْثَرُنَا غَنَّا بِمَا يَجِدُ وقال بعض العلماء: الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلاً / ولا ينال. إلا لعنة وبغضاً، ولا ينال من الخلق إلا جزعاً، وغماً، ولا ينال عند النزع إلا شدة وهولاً، ولا ينال عند الموقف إلا فضيحة ونكالاً (1).
النعمة
من الملائكة [81]
يَا حَامِداً دُونَكَ مَاء الْعَلْقَم فَاشْرَبُ بِهِ تَبْرُدُ الحَسَرَاتِ أوْ صَخْرَةً أَوْ جَنْدَلاً أو جبلاً فَانْطَحْ بِهِ في كُلِ يَوْمٍ آتِ
اعلم أن حقيقة الحسد
وحب
هي
فصل: في حقيقة الحسد
شدة الأسى على الخيرات تكون للأفاضل من الناس، فاذا
كره الإنسان نعمة الله على أحد من عباده وأحب زوالها عنه فهو حاسد، والحسد حده كراهة زوالها من المنعم عليه، وهو غير المنافسة، لأن المنافسة: طلب التشبه بالأفاضل من غير إدخال ضرر على الفاضل والحسد مصروف إلى الضرر، فإذا أنعم الله على الإنسان نعمة فأحب عبد زوالها عنه لتكون له أو زوالها عنه فقط فهو حاسد وحالته تسمى حسداً، فإذا لم يحب زوالها ولكنه تمنى لنفسه مثلها فهو غابط، وحالته تسمى غبطة. وقد روي عن النبي أنه قال: «المؤمن يغبط، والمنافق يحسد» (3). فهذا هو الفرق بين المنافسة والحسد، فالمنافسة: فضلية محمودة لأنها داعية إلى اكتساب الفضائل والاقتداء بالأفاضل قال الله تعالى: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (3).
نعم إن كانت تلك النعمة دينية كالإيمان والصلاة والزكاة ونحوها فالمنافسة فيها واجبة، وهي محبة الإنسان أن يكون مثل المؤمن، لأنه إن لم يحب ذلك كان راضياً بمعصية وذلك محرم، وإن كانت النعمة من الفضائل كإنفاق الأموال في المكارم والصدقات، فالمنافسة فيها مندوب إليها، وإن كانت نعمة يتنعم بها على وجه الصلاح فالمنافسة فيها مباحة، وكل ذلك
(1) أغلب الآثار الواردة هنا من إحياء علوم الدين للغزالي (183/ 3: 185) (2) قال العراقي في المغني (186/ 3): لم أجد له أصلاً مرفوعاً، وإنما هو من قول الفضيل بن عياض، كذلك رواه ابن أبي الدنيا في ذم الحسد.
(3) سورة المطففين الآية: 26.