الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩٣قنطرة العلم
VV
القراءات، ومخارج الحروف، وإلى ما يتعلق بالمعنى كالتفسير، فإن اعتماده أيضاً على النقل إذ اللغة بمجردها لا تستقل به، وإلى ما يتعلق بأحكامه: كمعرفة الناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والباطن والظاهر في أمثال ذلك، وهو العلم الذي يسمى أصول الفقه ويتناول السنة أيضاً.
وأما المتممات في الآثار والأخبار: فالعلم بالرجال وأسمائهم ولا سيما في الصحابة وصفاتهم، والعلم بالعدالة في الرواة والعلم بأحوالهم لتمييز الضعيف عن القوي، والعلم بأعمالهم لتمييز المرسل من المسند، وكذلك ما يتعلق به.
قال: فهذه هي العلوم الشرعية وكلها محمودة بل كلها من فروض الكفاية.
قال: فإن قلت فلم ألحقت الفقه بعلم الدنيا وألحقت الفقهاء بعلماء الدنيا؟ فأعلم أن الله تعالى أخرج آدم من التراب، وأخرج ذريته من سلالة من دافق فأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام، ومنها إلى الدنيا، ثم إلى القبر، ثم إلى العرض، ثم إلى الجنة والنار. فهذا مبدأهم: وهذه غايتهم، وهذه منازلهم وخلق الدنيا زاداً للميعاد ليتناول منها / ما يصلح للتزود فلو [78/ب] تناولها بالعدل لانقطعت الخصومات وتعطل الفقهاء ولكنهم يتناولونها بالشهوات فتولدت منها الخصومات، فمست الحاجة إلى سلطان يسوسهم واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم به.
،
فالفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق إذ تنازعوا بحكم الشهرات، فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طريق سياسة الخلق وضبطهم؛ لتنتظم باستقامتهم
أمورهم في الدنيا.
ولعمري هو متعلق أيضاً بالدين ولكن لا بنفسه بل بواسطة الدنيا؛ فإن الدنيا مزرعة للآخرة، ولا يتم الدين إلا بالدنيا والمُلك والدين توأمان، فالدين أصل والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم وما لا حارس له فضائع، ولا يتم الملك والضبط إلا بالسلطان. وطريق الضبط في فصل الخصومات الفقه، فكما أن سياسة الخلق بالسلطنة ليس من علم الدين في الدرجة الأولى، بل هو معين على ما لا يتم الدين إلا به فكذلك معرفة طريق السياسة فمعلوم أن الحج لا يتم إلا بمذرقة (1) تحرس من العرب في الطريق. ولكن الحج شيء، وسلوك الطريق إلى الحج شيء، والقيام بالحراسة التي لا يتم الحج إلا بها شيء ثالث، ومعرفة طريق الحراسة وحمايتها وقوانينها شيء رابع.
(1) في الإحياء ببذرقة.