قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٩٤

VA

قنطرة العلم

و حاصل فن الفقه: معرفة طريق السياسة، والحراسة، ويدل على ذلك ما مسنداً: روي «لا يفتي للناس إلا ثلاثة: أمير، ومأمور، ومتكلف (1).

فالأمير هو الإمام، وكانوا هم المفتون والمأمور، نائبه والمكلف غيرهما، وهو الذي

(2)

يتقلد تلك العهدة من غير حاجة، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يحترزون عنه حتى يحيل كل واحد منهم على صاحبه.

كان

وكانوا لا يحترزون إذا سئلوا عن علم القرآن وطريق الآخرة / ولقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الألف من الصحابة، ولم ينصب نفسه للفتوى منهم إلا بضعة عشر رجلاً، وكان ابن عمر منهم، وكان إذا سئل عن الفتوى يقول: اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلد أمور الناس ووضعها في عنقه. إشارة إلى أن الفتوى في القضايا والأحكام من توابع الولاية والسلطنة. وفي بعض الروايات بدل المتكلف المرائي»؛ فإن من يتقلد خطر الفتوى وهو غير متعين

للحاجة فلا يقصد به إلا طالب الجاه والمال.

فإن قلت: هذا إن استقام لك في الأحكام والحدود والجراحات والغرامات، فلا

يستقيم لك في العبادات من الصلاة والصوم والزكاة وغير ذلك من الحلال والحرام. فاعلم أن أقرب ما يتكلم فيه الفقيه من أعمال الآخرة ثلاثة: الإسلام، والصلاة،

والحلال والحرام.

وإذا تأملت منتهى نظر الفقيه علمت أنه لا يجاوز حدود الدنيا إلى الآخرة فإذا عرفت هذا في هذه الثلاثة فهو في غيرها أظهر.

أما الإسلام فيتكلم الفقيه فيما يصح منه وما يفسد وفي شروطه، وليس يلتفت فيه إلا إلى اللسان، أما القلب فخارج عن ولاية الفقيه، لعزل رسول الله لأرباب السيوف والسلطنة عنها حيث قال: هلا شققت عن قلبه (3) الذي قتل من تكلم بكلمة الإسلام. معتذراً بأنه قال ذلك من خوف السيف. بل الفقيه يحكم بصحة الإسلام تحت ظلال السيوف مع أنه يعلم أن السيف لم يكشف له عن نيته، ولم يرفع عن قلبه غشاوة الجهل والحيرة، ولكنه ميسر على

(1) قال العراقي في المغني (18/ 1) رواه ابن ماجه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ لا

يقص على الناس، وإسناده حسن.

(2) في إحياء علوم الدين (18/ 1): يحترزون عن الفتوى.

(3) قال العراقي في المغني: (19/ 1) رواه مسلم من حديث أسامة بن زيد.

[1/ 89]