قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٧٦

76

قنطرة النفس

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: كانت اليهود قبل أن يبعث النبي عليه السلام إذا قاتلوا قوماً قالوا: نسألك بالنبي الذي وعدتنا أن ترسله وبالكتاب الذي تنزله إلا ما نصرتنا. فكانوا ينصرون، فلما جاء النبي من ولد إسماعيل عرفوه وكفروا به فقال تعالى: {وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِين) إلى قوله: أَن يَكْفُرُوا بمَا أَنْزَلَ الله بَغْياً) (1). أي حسداً.

ويروى أن صفية بنت حيي بن أخطب زوجة النبي الله قالت له: جاء أبي وعمي عندك يوماً، فقال أبي لعمي: ما تقول فيه؟ قال: أقول أنه النبي الذي يبشر به موسى عليه السلام قال: فما ترى؟ قال: أرى معاداته أيام الحياة. فهذه حقيقة الحسد وأما مراتب الحسد فهي

ثلاثة:

أحدها: أن يحب زوال النعمة إليه لرغبته فيها مثل رغبته في دار حسنة، أو امرأة جميلة، أو ولاية نافذة نالها غيره، فهو يحب أن تكون له ومطلوبه تلك النعمة لا زوالها ومكروهه فقد النعمة لا تنعم غيره بها فهذا هو الحسد المذموم.

والثانية: أن لا يشتهي عين النعمة بل يشتهي لنفسه مثلها، فإن عجز من مثلها أحب زوالها كي لا يظهر التفاوت بينهما، فهذه فيها مذموم وغير مذموم، وتسميتها حسداً توسعاً [85] ومجازاً قال الله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ الله بِهِ، بَعُضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ (2). فتمنيه مثل ذلك

غير مذموم، وإنما المذموم تمنيه عينه. والثالثة: أن يشتهي لنفسه مثلها فإن لم تصل إليه فلا يحب زوالها. وهذا الأخير هو

(r)

المعفو عنه إن كان في الدنيا، والمندوب إليه إن كان في الدين، والله أعلم.

فصل: في بيان المنافسة وأسباب الحسد

أما المنافسة فسببها حب ما فيه المنافسة فإن كان أمراً دينياً فسببه حب الله وطاعته، وإن كان أمراً دنيوياً فسببه حب مباحات الدنيا والتنعم فيها، وإنما الكلام هاهنا في الحسد المذموم. وتنحصر جملة أسبابه في سبعة أشياء وهي العداوة والتعزاز، والكبر، والعجب،

:

والخوف من فوات المقاصد المحبوبة وحب الرياسة، وخبث النفس، وذلك إنما يكره

(1) سورة البقرة الآيتان: 89، 90. (2) سورة النساء الآية: 32.

(3) راجع هذا الفصل في كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي (1853 (188) ففيه أغلب ما هنا من أحاديث وآثار، وما في الإحياء أوسع مما هنا.