الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٧٧قنطرة النفس
VV
النعمة
النعمة عليه، إما لأنه عدو له فلا يريد الخير له بسبب إساءته إليه وإما أن يستكبر عليه بتلك وهو المراد بالتكبر، وإما أن يفاخره بها لعزة نفسه وهو المراد بالتعزز، وإما أن تكون النعمة عظيمة فيتعجب من فوز مثله بتلك النعمة وهو التعجب، وإما أن يخاف من فوت مقاصده بسبب مزاحمته إياه بتلك النعمة، وإما أن يكون بحب الرياسة التي يحب أن لا يساوى فيها فيكره تلك النعمة له لئلا يلحقه بها، وإما أن يكون لا بسبب بل بخبث النفس وشحها بالخير لعباد الله تعالى ولا بد من شرح هذه الأبواب بالاختصار إن شاء الله الملك القهار.
السبب الأول: العداوة والبغضاء وهو أشد أسباب الحسد فإن من آذاه إنسان بسبب
أبغضه قبله ورسخ في نفسه الحقد والحقد يقتضي التشفي والانتقام فإن عجز أن يتشفى منه بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان / وربما يحمل ذلك على كرامة نفسه عند الله فمهما أصابت [86]
عدوه بلية فرح وظن ذلك مكافأة من جهة الله تعالى له على بغضه وأنه لأجله، ومهما أصابته نعمة ساءه ذلك لأنه ضد، مراده، وربما يظن أنه لا منزلة له عند الله تعالى حيث لم ينتقم له من عدوه الذي آذاه بل أنعم عليه.
وبالجملة فالحسد يلزم البغضة والعداوة ولا يفارقهما، وإنما غاية التقوى أن لا يبغي وأن يكره ذلك من نفسه، وإما أن يبغض إنساناً ويستوي عنده مسرته وإساءته فهذا غير ممكن فهذا ما وصف الله تعالى به الكفار ـ أعني الحسد بالعداوة ـ إذ قال: {وَدُّوا مَا عَنِتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُم أكْبَرُ) (1). الآية. والحسد سببه البغض، وربما يفضي إلى التقاتل واستغراق العمر في إزالة النعمة بالحيل والسعاية وهتك الستر ونحوه.
والسبب الثاني: التعزز وهو أن يثقل عليه أن يرتفع عليه غيره فإذا أصاب بعض أمثاله ولاية، أو علماً، أو مالاً خاف أن يتكبر عليه بذلك وهو لا يطيق تفاخره عليه، فليس من غرضه أن يتكبر بل غرضه أن يدفع تكبر غيره عليه، فإنه قد رضي بمساواته دون ترفعه عليه.
السبب الثالث: أن يكون في طبعه أن يتكبر عليه ويستخدمه فإذا نال نعمة خاف أن لا يتحمل تكبره ولا ينقاد لخدمته، وربما أن يتشوق إلى مساواته أو إلى أن يرتفع عليه فيعود متكبراً بعد إن كان مُتَكَبَّراً عليه.
ومن التكبر والتعزز كان حسد أكثر الكفار للنبي عليه السلام إذ قالوا: كيف يتقدم علينا
(1) سورة آل عمران الآية: 118.