الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٧٩قنطرة النفس
79
الرئاسة. وقد كان علماء اليهود ينكرون معرفة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يؤمنون به خيفة من أن تبطل رياستهم مهما نسخ علمهم.
السبب السابع: خبث النفس وشحها بالخير لعباد الله، فإنك تجد من لا يشتغل برئاسة ولا مال إذا وصف له حسن حال عبد من عباد الله فيما أنعم به عليه شق ذلك عليه، وإذا وصف له اضطراب أمور الناس وتنقص عيشهم فرح به، فهو أبداً يحب الإدبار لغيره ويبخل على عبادة كأنه إنما يأخذون ذلك من خزائنه، ويقال: البخيل يبخل بمال نفسه والشحيح هو
الذي يبخل بمال غيره.
بنعم ا
الله
فهذا يبخل بنعمة الله على عباده لا بسبب عداوة ولا رابطة بينهم وبينه وليس له سبب ظاهر إلا خبث في النفس ورذالة الطبع. ومعالجته شديدة لأن الحسد الذي ثبت بسبب يتصور إزالته إذا زال ذلك السبب وهذا هو خبث في الجبلة لا عن سبب عارض فتعسر إزالته إذ هو مستحيل في العادة أعني زواله.
فهذه أسباب الحسد وقد يجتمع كلها أو بعضها في شخص واحد فيعظم الحسد لذلك حتى لا يقدر صاحبه على الإخفاء والمجاملة معه بل يهتك حجاب المجاملة وتظهر العداوة بالمكاشفة والله أعلم.
والحسد إنما يكثر بين قوم تكثر بينهم هذه الأسباب المذكورة ولا سيما إذا تجاوروا في مسكن، أو سوق، أو مدرسة أو بدلة اجتمعوا فيها على مقاصد كل واحد يرغب فيها فتتناقض أغراضهم، فيثور من التناقض التنافر والتباغض، فلذلك ترى العالم يحسد العالم دون العابد، والعابد يحسد العابد دون العالم والتاجر يحسد التاجر، بل الإسكاف يحسد الإسكاف ولا يحسد البزاز إلا بسبب آخر سوى الاجتماع في الحرفة، ويحسد الرجل أخاه وابن عمه [89] أكثر ما يحسد الأجانب، والمرأة تحسد ضرتها أكثر مما تحسد أم الزوج وابنته، لأن مقصد البزاز غير مقصد الإسكافِ فلا يتزاحمون على المقاصد، إذا مقصد البزاز ثروة المال ولا يحصله إلا بكثرة الزبون وإنما ينازعه فيه بزاز آخر وهكذا الشجاع يحسد الشجاع، والطبيب يحسد الطبيب، وأصل ذلك التزاحم على مقصد واحد، وذلك لا يجمع متباعدين بل متناسبين، فلذلك يكثر الحسد بينهم.
نعم من اشتد
فيها، ومنشأ
جميع
حرصه على الجاه فإنه يحسد كل من في الدنيا في الخصلة التي يشاركه ذلك الدنيا لأنها هي التي تضيق على المتزاحمين، وأما الآخرة فلا ضيق