قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٨٠

80

قنطرة النفس

فيها، ومثال الآخرة مثال نعمة العلم فلا جرم من يحب معرفة الله تعالى وصفاته لم يحسد غيره إذا عرفه أيضاً لأن المعرفة لا تضيق على العارفين بل المعلوم واحد يعرف بألف ألف عام ويلتذذ بمعرفته ولا تنقص لذة واحد بسبب غيره بل يحصل بكثرة العارفين زيادة الأنس وثمرة الإفادة والاستفادة. فلذلك لا يكون بين علماء الآخرة محاسدة لأن مقاصدهم معرفة الله تعالى والمنزلة عنده، وذلك بحر واسع لا ضيق فيه ـ أعني المعرفة والمنزلة.

نعم إذا قصد العلماء بالعلم المال والجاه تحاسدوا لأن المال هو أعيان وأجسام إذا وقعت في يد واحد خلت عنها يد الآخر. ومعنى الجاه: هو ملك القلوب ومهما امتلأ قلب شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الآخر أو نقص منه لا محالة، فيكون ذلك سبباً للمحاسدة بينهم، وليست المعرفة كذلك لأن القلب إذا امتلأ بالفرح بمعرفة الله لم يمنع. ذلك أن [90] يمتلاء به قلب غيره وأن يفرح به / فالفرق بين العلم والمال أن المال: لا يحل في يد ما لم يرتحل عن أخرى والعلم في قلب العالم مستقر ويحل في قلب غيره بتعليم من غير أن يرتحل عن قلبه لأن الدنيا وأموالها لها، نهاية، والآخرة والعلم بها لا نهاية لهما، فإن فرض كثرة العارفين لم يكونوا متحاسدين بل يكونوا كما قال الله فيهم رب العالمين. {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِنْ غِلَّ، وقال: إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (1). فإذا لا يتصور أن تكون في الجنة محاسدة ولا تقع بين أهل المعرفة في الدنيا أيضاً محاسدة، لأن الجنة لا مضايقة فيها ولا محاسدة، ولا تنال إلا بمعرفة الله التي لا مزاحمة فيها في الدنيا ولا مضايقة، فأهل الجنة بالضرورة براء عن الحسد في الدنيا والآخرة، بل الحسد من صفات المبعدين عن سعة عليين إلى مضيق سجين، ولذلك وسم به إبليس اللعين حين حسد آدم النبي الأمين.

فعليك أرشدك الله إن كنت بصيراً وعلى نفسك مشفقاً أن تطلب نعيماً لا زحمة فيها، ولذة لا مكدر لها، فلا يوجد ذلك في الدنيا إلا في معرفة الله وصفاته وعجائب ملكوته من وسمواته، ولا تنال ذلك في الآخرة إلا بهذه المعرفة والعمل بها فإن كنت لا تشتاق إلى

أرضه

معرفة الله تعالى تجد لها لذة، فلا غروى أن العنين لا يشتاق إلى لذة الجماع، والصبي لا يشتاق إلى لذة الملك؛ فإن هذه اللذات يختص بإدراكها الرجال دون المخنثين والصبيان، فكذلك لذة المعرفة يختص بإدراكها الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. فلا يشتاق إلى هذه اللذة غيرهم؛ لأن الشوق بعد الذوق ومن لم يذق لم يعرف، ومن لم يعرف لم يشتق، ومن

(1) سورة الحجر الآية: 47.