الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٨١قنطرة النفس
81
لم يشتق لم يطلب، ومن لم يطلب لم يدرك، ومن لم يدرك بقي مع المحرومين في أسفل سافلين، {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيْضِ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِيْنٌ (1) أعاذنا الله الخذلان؛ فإنه سبب الحرمان (2).
فصل: فيما ينفى به مرض الحسد عن القلب
من [91]
اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب، ولا تداوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل، أما العلم النافع لمرض الحسد فهو أن تعلم حقيقاً أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين، وأنه لا ضرر به على المحسود في الدنيا والدين بل ينتفع به في الدنيا والدين، فمهما عرفت هذا يقيناً ولم تكن عدو نفسك وصديق عدوك فارقت الحسد لا محالة.
إما كونه ضرراً عليك في الدين فهو إنك بالحسد ساخط لقضاء الله تعالى غير راض بقسمته وهذه جناية على حدقة التوحيد، وقذى في عين الإيمان وناهيك بها جناية في الدين، وكان يقال: الحسود ساخط على ربه في إنقاذ أقداره؛ إذ ليس يرى قضاء الله عدلاً ولا لنعمة الناس أهلا، من، وقد انضاف إلى هذا أنك غاش لرجل من المسلمين تارك لنصيحته، مفارق لأولياء الله في حبهم الخير لعباده، مشاركٌ لإبليس والكفار في محبتهم البلاء للمسلمين، وزوال النعم عنهم وهذه خبائث في القلب تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
وإما كونه ضرراً في الدنيا، فهو يتألم بحسرات الحسد، وينحل من أجلها الجسد، ثم لا يجد لحسراته انتهاء، ولا يرجو لسقام جسده شفاء، وقد قال ابن المعتز: الحسد سقام الجسد. ثم تنحط رتبته وتنخفض منزلته لنفور الناس عنه، ولذلك قيل: الحسود لا يسود. مع ما يظهر الأخلاق الذميمة. وقد قال بعض العلماء للحاسد ثلاثة علامات: يتملق إذا حضر
منه من
ويُغتاب إذا غاب، ويشمت بالمصيبة. وقال ابن المعتز: / الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له بخيل بما لا يملكه، طالباً لما لا [92] يجده، فما أعجب من العاقل أن يتعرض لسخط الله تعالى وعذابه من غير نفع يناله يتحمله وغم يلازمه، فيُهلك دينه ودنياه من غير جدوى ولا فائدة.
ضرر
وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه، فواضح لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك، فلا بد من دوامها إلى أجل محدود. ويقال شكا نبي من الأنبياء من امرأة ظالمة
(1) سورة الزخرف الآية: 36.
(2) راجع الفصل في إحياء علوم الدين بتفصيل (188/ 3: 190).
قناطر الخيرات/ج 3/ م 6