الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٨٢82
قنطرة النفس
مسئولية على الناس، فأوحى الله إليه فرّ من قدامها حتى تنقضي أيامها. فمهما لم تزل النعمة بالحسد لم يكن على المحسود ضرر في الدنيا ولا إثم في الآخرة، فلو كانت النعمة تزول بالحسد لكان لم يبق الله عليك من نعمة أيضاً، لأنك لا تخلو من عدو يحسدك، ولزالت على المؤمنين نعمة الإيمان لأن الكفار يحسدون لهم الإيمان قال الله تعالى: {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ (1). … الآية.
نعم فالحسود ضال بإرادته الضلال لغيره فإن إرادة الكفر كفر فهو ضال بإرادته، ولا تزول النعمة بحسده فكما لا تزول النعمة عنك بحسد غيرك فكذلك غيرك لا تزول عنه النعمة
بحسدك.
وأما نفع المحسود بحسدك في الدنيا والدين فهو واضح، أما منفعته في الدنيا فإنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجت الحسد إلى القول والفعل باللعنة والشتم وذكر مساوئه، وذلك أيضاً هدايا منك تهدي إليه حسناتك فإنك أردت زوال النعمة عنه فلم تزل فأضفت إليه نعمة
حسناتك فأضفت إلى نفسك شقاوة غم الحسد إلى شقاوة الخيبة في الحسنات.
وأما منفعته في الدنيا، فهو أن أهم أغراض الخُلق مساءة الأعداء، وأن يكونوا معذبين [93] | مغمومين ولا / عذاب ولا غم أعظم فما أنت فيه من ألم الحسد فقد فعلت بنفسك ما هو مراد
أعدائك ولذلك قيل:
لا مات أعدَاءَكَ بَلْ خُلُدُوا حَتَّى يَروْا مِنكَ الَّذِي يُحْمَدُ لا زِلْتَ مَحْمُوداً عَلَى نِعْمَةٍ فَإِنَّمَا الْكَامِلُ مَنْ يُحْمَدُ
وقد روي عن بعض العلماء بعض العلماء أنه قال: المحسود من الهم كساقي السم فإذا سري سمه سرى عنه. همه وقد قيل: العجب لغفلة الحساد. عن سلامة الأجساد. وربما كان الحسد أيضاً منبها على فضل المحسد ونقصان الحسود كما قال أبو تمام:
وَإِذَا أَرَادَ الله نَشْرَ فَضِيلَة طُويَتْ أَتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُودٍ لَوْلَا اسْتِغَالُ النَّارِ فِيْمَا جَاوَرَتْ مَا كَانَ يُعْرَفُ طِيْبُ عَرْفِ الْعُودِ لَوْلَا التَّخَوْفُ لِلْعَوَاقِبِ لَمْ تَزَلْ لِلْحَاسِدِ النَّعْمَا عَلَى الْمَحْمُودِ
فإذا تفكر الحاسد فيما ذكرنا واتبع الدين والعقل في اجتناب الحسد، وأكله الحسنات، (1) سورة آل عمران الآية: 69.