الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٨٣قنطرة النفس
83
وما يستقبحه العقل من نتائج الحسد التي هي أذم المذمومات فساعد ورضي به كل الرضا دعاه ذلك إلى ترك الحسد، وشارك الأولياء في المحبة للمسلمين، فقهر حينئذ نفسه على مذموم خلقها بالرياضة والتهذيب فيتظاهر بالتخلق حتى يصير بالمواظبة والعادة كالخُلق، قال أبو تمام: فَلَمْ أَجِدِ الأَخْلَاقَ إِلَّا تَخَلُقاً وَلَمْ أجيد الأفضَالَ إِلا تَفَضُلاً
ويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال لرجل: كن عالماً، فإن لم تستطع فكن متعلماً، فإن لم تستطع فأحبهم، وإن لم تستطع فلا تبغضهم. فقال: سبحان الله لقد جعل الله مخرجاً. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: المرء مع من أحب» (1).
وفي الحديث / عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أهل الجنة ثلاثة المحسن، والمحب [له] (2)، [94] والكاف عنه (3). أي يكف عنه الأذى والبغض والكراهة فهذه هي أدوية الحسد فهي نافعة جداً إلا أنها مرة جداً، ولكن النفع في الدواء المر، فمن لم يصبر على مرارة الدواء لم ينل حلاوة
الشفاء.
ولكن ما دام الإنسان محباً للدنيا وللجاه فلا بد أن يحسد من استأثر بهما وحظي بالرياسة دونه، وأن يغمه ذلك لا محالة، وإنما غاية المجاهدة فيه أن يكره ذلك من نفسه ولا يغمه ولا يظهره بقول ولا فعل، فإذا كف ظاهره ومنع جوارحه عن إيذاء المحسود وألزم قلبه ذلك مع كراهة ما يترشح عنه من حب زوال النعمة عنه حتى كأنه يمقت نفسه على ما في طبعه فتكون تلك الكراهة من جهة الفعل في مقابلة الميل من جهة الطبع فقد أدى الواجب عليه ولا يقدر الإنسان إلا على هذا ولا يدخل تحت اختياره في أغلب الأحوال أكثر. من هذا ما دام ملتفتاً إلى حظوظ الدنيا إلا أن يصير قلبه مستغرقاً بحب الله تعالى مثل السكران الواله فقد. ينتهي أمره إلى أن لا يلتفت قلبه إلى تفاضل أحوال العباد بل ينظر إلى الكل بعين الرحمة، ويرى العباد وجميع أفعالهم أفعالاً الله تعالى وهم له مسخرون، وذلك إن كان فهو كالبرق الخاطف لا يدوم ويرجع
القلب بعد ذلك إلى طبعه والشيطان إلى منازعته إياه بالوسوسة.
وذهب آخرون إلى أن الحاسد لا يأثم إذا لم يظهر أثر الحسد على الجوارح لما روي عن
(1) أطراف الحديث عند البخاري في الصحيح (48/ 8) مسلم في الصحيح (البر والصلة 165)، الترمذي في الجامع الصحيح (2385) أبي داود في السنن (5127)، الدارقطني في السنن (132/ 1).
(2) ما بين المعقوفين من إحياء علوم الدين (194/ 3).
(3) قال العراقي في المغني (194/ 3): لم أجد له أصلاً.