قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ٩٩

قنطرة النفس

99

وقال يزيد بن عمرو الأسدي لبنيه: يا بني تعلموا الرد فإنه أشد من العطاء، فلان تعلم بنو تميم أن عند أحدكم مائة ألف أعظم في أعينهم ممن لو قسمها عليهم، ولأن يقال لأحدكم بخيل وهو غني خير من أن يقال له سخي وهو فقير. وقال رجل لثمامة بن أشرس: إن لي إليك حاجة قال: وأنا لي إليك حاجة.

قال: وما حاجتك إلي؟ قال: لا أذكرها حتى تضمن قضاءها. قال: قد فعلت. قال: حاجتي إليك أن لا تسألني حاجة. قال فانصرف الرجل. وقال حصين / بن المنذر: وددت [113] لو أن لي مثل أحد ذهباً لا أنتفع منه بشيء. قيل: فما كنت تصنع به؟

قال: لكثرة من يخدمني عليه؛ لأن المال مخدوم. وقال بعض الحكماء: عليك بطلب الغنى فلو لم يكن فيه إلا أنه عز في قلبك وذل في قلب عدوك لكان الحظ فيه جسيماً والنفع فيه عظيماً. ومن الأشعار التي يتمثل بها البخلاء:

وَزَهْدَنِي فِي كُلِ خَيْرٍ صَنَعْتَهُ إِلَى النَّاسِ مَا جَرَّبْتَ مِنْ قِلَّةِ الشُّكْرِ

وقال آخر:

ارْفَعْ فَمِيْصَكَ مَا اهْتَدَيْتَ لِجَيْبِهِ فَإِذَا أَضَلَّكَ جِيْه فَاسْتَبْدِلِ وقول ابن هرمة:

قَدْ يُدرك الشرف الفتى وَرِدَاءَهُ خلق وَجَيْب قَمِيصِهِ مَرْفُوعُ وقال سهل بن هارون: لو قسمت بين الناس مائة ألف لكان أكثر للائمي، وقوله قول ابن الجهم: منع الجميع إرضاء الجميع ولسهل في كتاب العقد رسالة مشهورة يحتج فيها للبخل تركتها مخافة التطويل، والذي يقطع به جميع احتجاج البخلاء هو أن الله أمر بالانفاق ووعد عليه الفضل والخلف والثواب والمغفرة ونهى عن البخل وذمه ووعد عليه العقاب وأمر بمجاهدة الهوى في إنفاق المال الذي هو محبوب النفس أعظم المجاهدة لها، ونهى تعالى عن موافقة الهوى، وفي إمساك المال أعظم شهوات النفس.

وأيضاً أن السخي محبّب إلى القلوب وقد اتفقت الألسن على مدحه، والبخيل مبغض إلى القلوب وقد اتفقت الألسنة على ذمه والله تعالى يوصف بالجنود والكرم ولا يوصف بالشح والبخل، والبخيل يسيء بالله والسخي بخلافه، والله المستعان (1).

(1) راجع بعض حكايات وأخبار البخلاء في إحياء علوم الدين منها ما هو هنا ومنها ما ليس مذكور في هذا =