قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١١٣

قنطرة النفس

113

أقعده الدهر وأضرّ به المرض. فقال: يا هذا أعِنَّا على الدهر. فقال الرجل لغلامه: ما بقي من النفقة فادفعه إليه فصب الغلام في حجر الأعرابي أربعة آلاف درهم، فذهب لينهض فلم يقدر من الضعف فبكى، فقال له الرجل: ما يبكيك؟ لعلك استقللت ما أعطيناك. قال: لا ولكن ذكرت ما تأكل الأرض من كرمك فأبكاني.

بتسعين

قال: واشترى عبد الله بن عامر من خالد ابن عقبة بن أبي معيط داره التي في السوق

ألف

درهم،

فلما كان

في الليل

سمع

بكاء أهل خالد، فقال لأهله: ما لهؤلاء؟ قال:

يبكون لدارهم. فقال: يا غلام أتتهم واعلمهم أن الدار والمال لهم جميعاً. قال: وقيل أنفذها هارون الرشيد إلى مالك بن أنس بخمس مائة دينار. فبلغ ذلك الليث بن سعيد وأنفذ إليه ألف دينار. فغضب هارون فقال: أعطيته خمس مائة دينار وأعطيته أنت ألف دينار وأنت من رعيتي فقال: يا أمير المؤمنين إن في غلتي كل يوم ألف دينار، فاستحييت أن أعطي مثله أقل من دخل يوم. وحكي أنه لم تجب عليه زكاة مع أن دخله كل يوم ألف دينار، وفي مثله يقول القائل:

ملات يَدِي مِنَ الدُّنْيَا مِرَاراً فَمَا طَمِعَ الْعَوَاذِلُ فِي اقْتِصَادِ / ولا وَجَبَتْ عَلَيَّ زَكَاة مَال وَهَل تَجِبُ الزَّكَاةُ عِلَى جَوَادِ

وروي أن امرأة سألت الليث بن سعد (1) شيء من عسل فأمر لها بزق وقال: إنها سألتنا على قدرها ونعطوها على قدر النعمة علينا وقال: كان الليث بن سعد لا يتكلم كل يوم حتى يتصدق على ثلاث مائة وستين مسكينا (2).

وعن الأعمش قال: اشتكت شاة عندي فكان خيثمة بن عبد الرحمن يعودها بالغدو والعشي ويقول: هل استوفت، علفها وكيف صبر الصبيان منذ فقدوا لبنها؟ وكان تحتي لبد اجلس عليه فإذا خرج قال: خذ ما تحت اللبد حتى وصل إليّ في علة الشاة أكثر من مائة دينار من بره، حتى تمنيت أن الشاة لم تبرأ.

(1) في الأصل الليث بن سعيد، وهو تحريف وهو الفقيه المصري الشهير.

(2)

ثلاث

قلت: اشتهر الإمام الليث بن سعد بالزهد والكرم والثراء، وما زال نسله إلى اليوم بالقاهرة يقدمون مشروب الشاي كل يوم بعد صلاة الفجر لكل المصلين الذين يصلون بالمسجد الذي دفن فيه بمصر، وكانوا قبل فترة قصيرة يقدمون وجبة إفطار كاملة لكل المصلين ثم اقتصروا الآن على مشروب الشاي ولما سألت عن ذلك أخبرت أنهم على ذلك العهد منذ وفاته رحمه الله، فأرجو منه الله أن يوسع عليهم وأن يعودوا لما كانوا عليه من الإطعام، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتهم وأن يجعل أجر تلك السنة لجدهم الليث بن سعد وأن يرحمنا جميعاً بكرمه. آمين (سيد).

قناطر الخيرات/ ج 3/ م 8

[131]