قناطر الخيرات إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١١٨

118

قنطرة النفس

وقد روي عن طلحة أنه قال نجد في أموالنا ما يجد البخيل ولكنا نتصبر. وكذلك تكلموا في السخاء والجود: فقال قوم: السخاء أن تسخو نفسك بما في يديك ونهايته أن تسخو نفسك بما في أيدي الناس ولا تبالي بمن أكل الدنيا. وقال قوم: الجود عطايا بلا من. وقيل: الجود

عطية بغير مسئلة على رؤية التقليل. وقيل: الجود السرور بالسائل والفرح بالعطاء لما أمكن. وقيل: السخاء هو الرتبة الأولى، ثم الجود، ثم الإيثار، فمن أمسك البعض وأتى البعض فهو صاحب سخاء، ومن أعطى الأكثر وأمسك لنفسه الأقل فهو صاحب جود، ومن قاس الضرّ وآثر غيره بالبلغة فهو صاحب إيثار، ومن لم يبذل شيئاً فهو بخيل. ويقال: أصل هو السماحة وأن يؤتي ما يؤتيه عن طيب نفس فإن أعطى عن منازعة نفس فهو متسخ

السخاء

وليس بسخي.

(1)

وفي كتاب الغزالي قال: وجملة هذه الكلمات غير محيطة بحقيقة البخل والجود، قال: بل ونقول المال خُلِقَ لصلاح حاجات، الخلق، ويمكن إمساكه عن الصرف إلى ما خلق للصرف إليه ويمكن إعطاؤه إلى ما لا يحسن الإعطاء فيه، ويمكن التصرف فيه بالعدل، وهو [137] يحفظ حيث يجب الحفظ / ويبذل حيث يجب البذل فالإمساك حيث يجب البذل بخل، والبذل

حيث يجب الامساك تبذير وبينهما وسط وهو المحمود.

أن

وينبغي أن يكون السخاء والجود عبارة عنه إذ لم يُؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالسخاء وقيل له: {وَلَا تَجْعَلُ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنْقِكَ وَلَا تَبْسُطَها كُلَّ الْبَسْطِ (2). وقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتَرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامَاً) (3). والجود وسط بين الإسراف والإقتار، وبين القبض والبسط، فإن كان بذله في موضعه بطيبة نفس فهو سخي، وإن كان عن صبر ومنازعة فهو متسخ. وهذا القول عندي أعدل الأقوال؛ لأن من زاد على حد السخاء فهو مبذر، ومن قصر عنه فهو بخيل، ومن وقف عليه فهو كريم.

وحد السخاء على هذا المعنى هو بذل ما يحتاج إليه مستحقه عند الحاجة؛ ولأن الحكماء قالت: الفضائل هبات متوسطة بين خلتين ناقصتين، وأفعال الخير توسط بين رذيلتين، فالشجاعة: متوسطة بين الجبن، والتهور والسكينة واسطة بين السخط وضعف الغضب، والغيرة واسطة بين الحسد وسوء العادة والتواضع واسطة بين الكبر ودناءة النفس،

(1) راجع الإحياء (254/ 3) وإن كان ما قبل ذلك من قول منه أيضاً فلا أدري لما ذكره.

(2) سورة الإسراء الآية: 29. (3) سورة الفرقان الآية: 67.