الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١١٩قنطرة النفس
بين
119
والحلم واسطة بين إفراد الغضب، وعدمه والمودة واسطة بين الملال وجساء الخلق، والحياء: واسطة بين الوقاحة والخفر والوقار واسطة بين الهزل والسخافة، والظرف: واسطة الخلاعة والعدلمة، والعلة واسطة بين الشره وضعف الشهوة والحكمة: واسطة بين الشر والجهالة، والسخاء واسطة بين التقتير والتبذير والله أعلم؛ فأوسط الأمور أعدلها فلذلك كان عليه السلام ما خُيّر قط بين أمرين إلا اختار أوسطهما. وقال بعض الحكماء: الخطأ في إعطاء ما لا ينبغي ومنع ما ينبغي واحد، وينشد:
لا تجد بالعطاء في غير حق ليس في منع غير ذي الحق بخل / إنما الجود أن تجود على من هو للبذل والعطاء منك أهل واعلم أن السرف والتبذير قد يفترق معناهما؛ فالسرف هو الجهل بمقادير الحقوق، والتبذير هو الجهل بمواقع الحقوق وكلاهما مذموم، وذم التبذير أعظم؛ لأن المسرف مخطاء في الزيادة، والمبذر مخطاء في الجميع وقد قال معاوية: كل سرف فبإزائه حق مضيع.
وصدق لأن المال أقل من
أن
العلماء: الحلال لا يحتمل السرف.
يوضع في كل موضع من حق أو غيره، وقد قال بعض
واعلم أنه لا يتم السخاء حتى تسخو نفس الإنسان عما بيد غيره، فلا يميل إلى طلب ولا يكف عن بذل. وقد حكي أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم عليه السلام: أتدري لم اتخذتك خليلاً؟ قال: لا رب قال: لأني رأيتك تحب أن تعطي ولا تحب أن تأخذ.
وعن أيوب السجستاني أنه قال: لا ينبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان العفة عن أموال الناس والتجاوز عنهم قال: وكتب كسرى إلى ابنه هرمز: يا بني استقلل الكثير مما تُغطي، واستكثر القليل مما تأخذ، فإن قرة عيون الكرام في الإعطاء وسرور اللثام في الأخذ، ولا تعد الشحيح أميناً ولا الكذاب حُراً؛ فإنه لا عفة مع الشُّح، ولا مروءة مع الكذب. وقال: بعض البلغاء: السخاء أن تكون بمالك متبرع رعاً، مال غيرك متورعاً. وينشد: وعن
إذا لم تكن نفس الشريف شريفة وإذ كان ذا قدر فليس له شرف
والبذل على وجهين:
أحدهما: ما ابتدأ به الإنسان من غير سؤال.
والثاني:
ما كان عن طلب وسؤال فالمبتداء أطبعهما سخاءً وأشرفهما عطاء، وقد سئل
عن السخاء فقال: ما كان منه ابتداء، وأما ما كان منه عن مسألة فحياء وتكرم. وقال بعض
[138]