الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٢٠120
قنطرة النفس
الحكماء: أجل النوال ما وصل قبل السؤال وقيل للحسن البصري: ما السخاء؟ فقال: أن تجود بما لك في الله. قيل: فما الحزم؟ قال: أن تمنع ما لك فيه. قيل: وما الإسراف؟ قال:
الإنفاق لحب الرئاسة.
فصل
اعلم أن النوال الذي يقع ابتداء يكون لأسباب:
منها: أن
فاقة يتمكن من إزالتها، فلا يدعه الكرم أو الدين إلا أن يكون زعيم يري
إصلاحها رغبة في الأجر أن تدين وفي الشكر أن تكرم.
ومنها: أن يكون في ماله فضل على كفايته فيضعها حيث تكون له ذخر اليوم فقره، أو
حسن ثناء وحمده من أهله وينشد:
وما ضاع مال ورث الحمد أهله
(1)
ولكن أموال البخيل تضيع
ومنها: أن يكون بتعريض يتنبه إليه بفطنته فلا يدعه الكرم أن يغفل ولا الحياء أن يكف وكالذي حكي: أن رجلاً ساير بعض الولاة فقال: ما أهزل برذونك! فقال: يده مع أيدينا. فوصله اكتفاء بهذا التعريض الذي بلغ ما لم يبلغه صريح السؤال.
ومنها: أن يكون ذلك لرعاية يد أو جزاء على صنيعة، فيرى تأدية الحق عليه طوعاً ليكون من رق الإحسان عتيقاً، وقد قال بعض الحكماء المعروف رق والمكافئات عتق قال أبو
العتاهية (2).
وليست أيادي الناس عند غنيمة ورُبَّ يد عندي أشد.
من
الأسر
ومنها: أن يستعطف الناس بذلك ليذعنوا لرئاسة هو لها، محب، وعلى طلبها منكب. وقد قال بعض الأدباء: بالإحسان يرتبط الإنسان وقال بعضهم: من أبذل ماله أدرك آماله.
ويُنشد:
أترجو أن تسود ولن تغنا فكيف يسود ذو الدعة البخيل
(1) في الأصل: لتعريض يتنبه عليه بفطنته وأرى أن العبارة قد أصابها غموض، أو تحريف. فكتبتها على ما هو مباشر ومتبادر إلى الفهم والذهن.
(2) هو شاعر الزهد والحكمة إسماعيل بن القاسم بن سويد بن كيسان أبو إسحاق العنزي الكوفي كان في أول حياته ماجناً فوصفوه بالعته ثم تاب الله عليه وزهد في الدنيا وكتب من الأشعار ما يرقق أفئدة العاصين
ويؤمل القانطين ويشرح صدور اليائسين فعليه وعلينا رحمات الله آمين.