الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٢٣قنطرة النفس
123
/ والشرط الثالث: اختيار المسؤل أن يكون مرجو الإجابة مأمول النجح إما لحرمة [142] السائل، أو كرم في المسؤول فإن من سأل لئيماً لا يرى حرمة ولا يولى مكرمة فهو في اختياره ملوم وفي سؤاله محروم.
وقد قال بعض الحكماء المخذول من كانت له إلى اللئام حاجة وقال بعض البلغاء:
أنذل من الليثم سائله وأقل من البخيل نائله. قال الشاعر:
من
كان يأمل أن يرى من ساقط نيلاً سنياً فقد رجا أن يجتبى من عوسج رطباً جنياً وأما الشروط المعتبرة في المسؤول فثلاثة أيضاً:
أحدها: أن يكتفي بتعريض السائل دون سؤاله ليصونه عن ذل الطلب فإن الحال ناطقة وربما فهم المسؤول الإشارة فصرّح بالعبارة تهجيناً للسائل ليستحيى فكيف كما قال أبو تمام (1):
من كان مفقود الحياء فوجهه من غير بواب له أبواب
والثاني:: أن يتلقا بالبشر والترحيب ليكون مشكوراً إن أعطى ومعذوراً إن منع. وقال: وحكى ابن لبكر أن أبا بكر بن دريد قصد بعض الوزراء في حاجة فلم يقضها وظهر له منه ضجر
فقال:
لا تدخلنك ضجرة من سائل فلخير دهرك أن تُرى مسؤولا لا تجبهن بالرد وجه مؤمل فبقاء عزك أن ترى مأمولاً تلقى الكريم فتستدل ببشرة وترى العبوس على اللثيم دليلاً واعلم بأنك عن قليل صائر خبراً فكن خبراً يروق جميلاً والشرط الثالث: تصديق الأمل وتحقيق الظن به ثم اعتبار حاله وحال السائل فإنها لا تخلو من أربعة أحوال:
أحدها: أن يكون السائل مستحقاً والمسؤول متمكناً، فالإجابة هاهنا تستحق كرماً وتلزم
(1) شاعر العصر أبو تمام حبيب بن أوس بن قيس الطائي من حوران أسلم وكان نصرانياً مدح الخلفاء والكبراء وشعره في الذروة، وكان أسمر طوالاً فصيحاً عذب العبارة مع تمتمة قليلة، ولد في أيام الرشيد وكان أولاً حدثاً يسقي الماء بمصر، ثم جالس الأدباء وأخذ عنهم وكان يتوقد ذكاء، وسحت قريحته بالنظم البديع … وكان يوصف بطيب الأخلاق والظرف والسماحة. (والذهبي في سير أعلام النبلاء 63/ 11).