الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩٨82
قنطرة العلم
الأول في حد الفقه: وقد تقدم الكلام في أنه مرتبط بمصالح / الدنيا لسياسة الأخلاق، كما أن علم الطب موضوع لاعتدال صحة الجسد في الدنيا.
فإن قيل قد سويت بين الفقه والطب، إذ الطب أيضاً يتعلق بالدنيا، وذلك يتعلق به أيضاً صلاح الدين وهذه التسوية تخالف إجماع المسلمين فاعلم أن التسوية غير لازمة بل بينهما فرق والفقه أشرف منه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه علم شرعي أي هو مستفاد من النبوة، بخلاف الطب فليس هو من علم
الشرع هكذا ذكر الغزالي في كتابه.
والثاني: لا يستغني عنه أحد من سالكي طريق الآخرة، البتة، لا الصحيح ولا المريض، وأما الطب فليس يحتاج إليه إلا المرضى وهم الأقلون.
والثالث: أن علم الفقه مجاور لعلم الآخرة؛ لأنه نظر في عمل الجوارح، ومصدر الأعمال ومنشأها صفات القلب؛ فالمحمود من الأعمال يصدر عن الأخلاق المحمودة المنجية في الآخرة، والمذموم يصدر من المذموم، وليس يخفى اتصال الجوارح بالقلب، وأما الصحة والمرض فمنشأها صفاء المزاج والإخلاط وذلك من أوصاف البدن لا من أوصاف القلب، فمهما أضيف الفقه إلى الطب ظهر شرفه وإذا أضيف علم الآخرة إلى الفقه ظهر أيضاً شرف علم الآخرة (1). وبالله التوفيق.
الفصل الثاني: في علم الدين والطريق الآخرة
فاعلم أنه قد ذكر الغزالي في كتابه أن علم طريق الآخرة قسمان:
أحدهما علم معاملة: وهو علم بأحوال القلب وهو نوعان: محمود ومذموم.
فالمحمود منها كالصبر والشكر والخوف والرجاء والتوبة، والرضا، والتوكل، والزهد والتقوى، والقناعة، والسخاوة، ومعرفة المنة لله تعالى في جميع الأحوال، والخشوع، والإحسان، وحسن الظن، وحسن الخلق، وحسن المعاشرة، والصدق، والإخلاص، وما أشبه ذلك من محمود أحوال القلب، وصفاته ومعرفة حقائق هذه الأحوال وحدودها وأسبابها التي تكتسب ثمراتها وعلاماتها ومعالجة ما ضعف منها حتى يقوى وما زال يعود فذلك كله من علم الآخرة.
(1) راجع في كل ما سبق إحياء علوم الدين (20/ 1). إلا كلام يسير للمؤلف.
[1/ ar]