الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٢٧قنطرة النفس
فبكى عمر رحمه [الله] (1).
127
حتى أخضلت الدموع لحيته، فقال عمر) لغلامه: أعطه فعسى
،
طلب
لذلك اليوم لا لشعره أما والله لا أملك غيره. فإذا كان العطاء على هذا الوجه خلا عن جزاء وشكر، وعرى عن امتنان ونشر فكان ذلك أشرف للباذل وأهنأ للسائل، أما إذا كان العطاء لطلب الشكر والثناء فالمعطى خارج عن حكم السخاء والكرم، وإن طلب به الجزاء والمكافأة كان تاجراً مربحاً بالتجارة.
وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (2). أنه الذي يعطي عطية يلتمس بها أفضل منها. وعن الحسن قال: معناها لا تمنن بعملك تستكثره
على ربك.
إنما ينبغي لمن عنده فضل من المال أن يجعله براً مدخوراً لهول يوم النشور لأن له في ماله شريكين يأخذانه من غير مشورته؛ وهما المصائب والرثة فإن استطاع أن لا يكون أخس
الثلاثة فليفعل. وقيل للبخيل: لم حبست مالك؟ قال: للنوائب قيل: قد نزلت بك. قال: مالك من مالك إلا الذي قدمت فابذل طائعاً مالكاً تقول أعمالي ولو فتشوا رأيت أعمالك أعمى لكا
فينبغي لمن قدر على إسداء المعروف أن يعجله حذر فواته ويتبادر به خيفة عجزه وقد روي عن النبي الله وسلم أنه قال: «من فتح له باب خير فلينتهزه فإنه لا يدري متى يغلق
عنه (3).
وعنه أيضاً أنه قال: «ثمرة المعروف تعجيل السراح (4). وقيل لأنوشروان: ما أعظم المصائب عندكم؟ قال: أن تقدر على المعروف ولا تصنعه حتى يفوت. / وقال بعض السلف: [147] من أخر الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها. قال الشاعر:
إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل عاصفة سكون ولا تغفل عن الإحسان فيها ولا تدري السكون متى يكون
واعلم أن للمعروف شروطاً لا يتم إلا بها.
(1) لفظ الجلالة سقط سهواً من المخطوط واثبتناه بين معقوفين. (2) سورة المدثر الآية: 6.
(3) أطراف الحديث في كنز العمال للمتقي الهندى (4334)، الزهد لأحمد بن حنبل (394). (4) طرفة عند: الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (175/ 8)، القرطبي في التفسير (384/ 5).