الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٣٣قنطرة النفس
133
يطلع الله على قلوبكم فيعلم منها أنها تريد شيئاً بشيء. ويقال: السخاء في الدين أن تسخُو بنفسك وتتلفها بإراقة دمك الله تعالى سماحة من غير كراهة لا تريد بذلك ثواباً عاجلاً ولا آجلاً حتى يفعل الله بك ما لا تحسن أن تختاره لنفسك والله أعلم.
الفصل السادس: / في الاستعجال
قال الله تعالى: {وَيَدْعُوا الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولا) (1). وقال أيضاً: خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجِل (2). قيل: من طين، وقيل: هو من المقلوب تقديره: خلق
العجل من الإنسان.
وعن حاتم الأصم أنه قال: كان يقال: العجلة من الشيطان إلا في خمسة فإنها من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي: إطعام الضيف إذا دخل، وتجهيز الميت إذا مات، وتزويج البكر إذا أدركت، وقضاء الدين إذا وجب، والتوبة من الذنب.
بحجتي.
[153]
وفي الخبر أن نوحاً عليه السلام قال لإبليس - لعنه الله ـ وذلك أن الله أوحى إلى نوح عليه السلام أن كلمه سأنطقه فإني عليه فقال: أي عدو الله، أي أخلاق بني آدم أعون لك ولجنودك على إضلاله؟ فقال إبليس: نعم الخبير سألت ـ إذا وجدنا ابن آدم شحيحاً أو حريصاً أو حسوداً أو جباراً أو عجولاً، تلقفناه، فإن اجتمعت لنا فيه هذه الإخلاق سميناه فينا: شيطاناً مريداً، رجيماً، وسأخبرك عن هذه الأخلاق بما تعرف به الحق: ألم تعلم أن الله أسكن أباك آدم الجنة، ثم فوضها إليه بجميع ما فيها وحرم عليه شجرة واحدة وحمله الحرص على تناولها فخرج بالحرص من جميع الجنة؟ ألم تعلم أن الله تعالى عرضنا للسجود لآدم فأدركني الحسد والبغي فخرجت بذلك من ملكوت السموات وصرت شيطاناً لعيناً؟ ألم تعلم أن ابن آدم قابيل شَحَّ بأخته على أخيه فحمله الشح على أن قتل أخاه فصيره إلى العقوق وإلى النار؟ ألم تعلم إنما هلك من هلك من قومك بالتجبر في الأرض والتكبر فصاروا بذلك إلى النار؟ ألم تعلم أن العجلة والحدة حملاك على أن دعوت الله على ابنك فغيرت دعوتك لونه وألوان أولاده من بعده إلى يوم القيامة؟ والله أعلم. واعلم أن العجلة تبدو منها أربع آفات: أحدها: أن العابد ربما يقصد منزلة في الخير فيجتهد فربما يستعجل في إدراكها وليس بوقتها، فإما / أن يفتر ويترك الاجتهاد وييأس منها فيحرم تلك المنزلة، وإما أن يغلو في [154]
ذلك
(1) سورة الإسراء الآية: 11. (2) سورة الأنبياء الآية: 37.