الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٣٤134
قنطرة النفس
الجهد، وإتعاب النفس فينقطع عن تلك المنزلة، فهو بين إفراط وتفريط وكلاهما نتيجة الاستعجال. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى (1). وقال: «شر السير
الحفحفة. وهو الإسراع، وفي المثل السائر: إن لم تستجل تصل: قال الشاعر:
قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل والثانية: أن تكون للعابد حاجة فيدعو الله تعالى ويكثر الدعاء ويجد، فربما استعجل الإجابة قبل وقتها فلا يجدها فيفتر ويسأم ويترك الدعاء ويُحرم حاجته.
الثالثة: أن يظلمه إنسان فيغيظه فيستعجل في الدعاء عليه، كالذي قدمنا من دعاء نوح عليه السلام على ابنه حام، فربما يهلك مسلم بسببه، أو يتجاوز الحد في الدعاء عليه فيقع في
معصية.
الرابعة: أن أصل العبادة وملاكها الورع وأصل الورع النظر والبحث التام في كل شيء معرض للمتورع من أكل أو شرب أو لبس أو كلام أو فعل، فإذا كان الرجل مستعجلاً في الأمور غير متأمل ولا متثبت لم يقع توقف ونظر في الأمور كما ينبغي فيقع في الحرام والشبه والخطأ والغلط فيفوته الورع، وأي خير في عبادة بلا ورع، ولذلك قيل للمؤمن وقاف، والمنافق وثاب وفي الحديث: «المؤمن: كيس فطن، حذر مثبت، وقاف لا يعجل، عالم ورع، والمنافق: همزة لمزة حطمة كحاطب الليل لا يبالي من أين اكتسب وفيما انفق (2) وإذا كان في العجلة الانقطاع عن منازل الخير وحرمان الحاجات، وهلاك المسلمين وهلاكه، وخطر فوات الورع الذي هو رأس المال فحقيق على الإنسان أن يهتم لها بالإزالة وإصلاح
النفس منها.
وحقيقة العجلة: هي المعنى الراتب في القلب، والباعث على الإقدام على الأمر، فأول [155] / خاطر دون التوقف فيه والاستعجال إتباع ذلك والعمل به، وضدها الإناءة: وهي المعنى الراتب في القلب الباعث على الاحتياط في الأمور والنظر فيها، والتأني في اتباعها والعمل
بها.
(1) رواه أحمد من حديث أنس والبيهقي من حديث جابر. قاله العراقي في المغني (77/ 4). (2) أطراف الحديث عند العجلوني في كشف الخفاء (405/ 2)، ابن حجر في الضعيفة (760).
في الفتح (530/ 10)، الألباني