الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٣٥قنطرة النفس
135
:
وأما التوقف فضده التعسف، قال بعض العلماء: الفرق بين التوقف، والتأني: أن التوقف قبل الدخول في الأمر حتى يستبين له رشده. والتأني: بعد الدخول فيه حتى يعطي الكل جزاء حقه. ثم مقدمات الإناءة ذكر وجوه الخطر في الأمور التي تعترض الإنسان وضروب الآفات المخوفة فيها، وذكر ما في النظر والتثبت من السلامة وما في التعسف والاستعجال من الندامة.
فصل
اعلم أن الحلم والرفق والإناءة خصال محمودة في الإنسان، وأظنها نتيجة حسن الخلق، أما الحلم فحده ضبط النفس عند هيجان الغضب، والتحلم تكلف ذلك، وقد قيل للأحنف بن قيس (1): أنت حليم قال: لا إنما أنا أتحلم. فقيل له: من أين تعلمت الحلم؟ فقال: من قيس بن عاصم. قيل: وما كان من حلمه؟ قال: كان ذات يوم في مجلس متقلداً سيفه عاقداً حبوته وهو يحدث جلسائه، إذ جيء بأحد بنيه، مقتولاً، وبابن أخيه مكتوفاً، فمضى على حديثه أتمه ثم التفت إلى أحد بنيه فقال: ما هذا؟ قال: هذا ابنك قتله ابن أخيك. قال: فوالله ما تغير له لون ولا تلجلج له لسان ولا حلّ حبوته، فنظر إلى ابن أخيه فقال: رميت سهمك في جسمك، وقطعت يدك بيدك. ثم قال لابنه: اطلق كتاف ابن عمك وادفن أخاك، وادفع لأمه مائة ناقة، فإنها غريبة فينا مسكينة. ثم أنشأ يقول:
حتى
أقول للنفس تأسياً وتعزيه إحدى يدي أصابتني فلم نزد كلاهما خلف من فقد صاحبه هذا أخي حيث أنعوه وذا ولد
وقد تقدم في فضل الحلم ما يكفي. وأما الرفق فضده العنف والخرق، ونتيجة الرفق: الإناءة، والرفق واللين نتيجة حسن الخلق ومعنى حسن الخلق / أن يكون الإنسان سهل [156] العريكة لين الجانب طلق الوجه قليل النفور طيب الكلمة. وأما الأناة: فقد تقدم
قال الشاعر:
معناها،
(1) الأمير الكبير العالم النبيل أبو بحر التميمي أحد من يضرب بحلمه وسؤدُدِه المثل .. كان من قواد جيش علي يوم صفين .. قال قتادة عن الحسن ما رأيت شريف قوم كان أفضل من الأحنف وقيل: كانت عامة صلاة الأحنف بالليل، وكان يضع أصبعه على المصباح، ثم يقول: حَسَّ (كلمة تقال عند ا الألم) ويقول: ما حملك يا أحنف على أن صنعت كذا كذا؟ الأحنف: عجبت لمن يجري مجرى البول مرتين كيف يتكبر؟! قال الفسوي: مات الأحنف سنة. سبع وستين، وقال غيره: توفى سنة إحدى وسبعين، وقال جماعة: مات في إمرة مصعب بن الزبير على العراق رحمه الله، قاله الذهبي في. أعلام النبلاء (86/ 4: 97). ?
يوم عن