الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٣٨138
قنطرة النفس
ويروى أن. عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بلغه أن جماعة من رعيته اشتكوا من عماله، فأمرهم أن يوافوه، فلما أتوه، قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيتها الرعية، إن لنا عليكم حق النصيحة بالغيب، والمعاونة على الخير، أيتها الرعاة: إن للرعية عليكم حقاً، واعلموا أنه لا حلم أحب إلى الله ولا أعظم من حلم إمام ورفقه وليس جهل أبغض إلى الله ولا أعم من [158] جهل إمام وخرقه، واعلموا أنه من يأخذ بالعافية فيمن / بين ظهرانيه يرزق العافية ممن هو دونه.
وقال وهب بن منبه: الرفق من الحلم. وقال بعض السلف: ما أحسن الإيمان يزينه العلم وما أحسن العمل يزينه الرفق، وما أضيف شيء إلى شيء مثل حلم إلى عمل. وروي أن عمرو بن العاص كتب إلى معاوية يعاتبه في التأني فكتب إليه معاوية: أما بعد فإن التفهم في الخير زيادة رشد، وأن الرشيد من رشد عن العجلة، وأن الخائب من خاب عن الأناة، وأن المتثبت (1) مصيب أو كاد أن يكون مصيباً، وإن العاجل مخطاء أو كاد أن يكون مخطئاً، وإن من لم ينفعه الرفق يضره الخرق ومن لا تنفعه التجارب لا يدرك المعالي. فأجابه عمرو: اعلم أنه وإن حث الشرع على الرفق فإن العنف في محله حسن أيضاً. وقد روي عن ابن عون الأنصاري أنه قال: ما تكلم الناس بكلمة صعبة إلا وإلى جانبها كلمة تجري مجراها. وقال أبو حمزة الكوفي:: لا تتخذ من الخدم إلا ما لا بد لك منه فإن مع كل إنسان شيطاناً واعلم أنه لا يعطونك بالشدة شيئاً إلا أعطوك باللين ما هو أفضل منه.
فهذا ثناء أهل العلم على الرفق؛ وذلك لأنه محمود ومفيد في أكثر الأحوال، وأغلب الأمور، والحاجة إلى العنف قد تقع ولكن على الندور، وإنما الكامل من يميز موضع الرفق من العنف ويستعمل كلاً في موضعه، وإن أشكل عليه بعض الوقائع فليكن ميله إلى الرفق،
مواضع
فإن النجاح صعب في الأكثر (2)، والله أعلم.
فصل: في حسن الخلق
قال الله لنبيه عليه السلام: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ
قلت لعائشة
رضي
الله
(3)
وعن عبد
قال: الله بن عمر
عنها صفي لي خلق رسول الله، فقالت لي: أما تقرأ القرآن؟ كان خلقه القرآن. وحسبك بهذا الاسم منقبة بالرسول وتعريفاً له بحسن الخلق، إذ القرآن يجمع كل
(1) في الأصل: القبث. والتصويب من إحياء علوم الدين (182/ 3). (2) راجع في معظم الآثار الواردة هنا إحياء علوم الدين (181/ 3: 182). (3) سورة القلم الآية: 4.