معالم ورؤى
الجزء ١ · صفحة ١٠٤معالم ورؤى
شاهدوا ما آل إليه أمر تلك الديار من دمار وتخريب وسلب ونهب، وقتل جماعي، وفساد وإفساد، وانتهاك للمحارم والأعراض (1) الأمر الذي دفعهم للبحث عن حل يجنبهم الخطر الصليبي الزاحف، ويحول دون تدخل فرنسا في شؤونهم الداخلية) حتى يحافظوا على دينهم، وكيانهم الاجتماعي، فتقدم نفر من المزابيين بمحض إرادتهم، فأبرموا معاهدة مع فرنسا يوم 16 إبريل سنة (1853 م) تنص في مجملها على عدم تدخل فرنسا في الشؤون الداخلية للمجتمع الميزابي، مقابل دفع ضريبة مالية معينة سنوية لفرنسا (3) على أن الشيخ أطفيش الله، ومن معه من العزابة، والعلماء وقفوا موقف المعارض لهذه الاتفاقية لعلمهم بحقيقة نوايا فرنسا، ومقاصدها السيئة، ومخططاتها العدوانية، لكنهم لم يستطيعوا منع الآخرين عن إمضائها، والتوقيع عليها، يقول طلاي: «فقد كانت الهيئات الدينية غائبة عنه ـ أي عن حل توقيع المعاهدة - تحرجا من إمضاء معاهدة مع المشركين» (4).
وقد برر موقعو المعاهدة للمعارضين أن حقيقة هذه المعاهدة وسيلة وليست غاية، وإنها الخلاص لهم لحفظ دينهم، وأخلاقهم، وصون مجتمعهم
من الانحلال والفساد، الذي يعقب الاحتلال ويترتب عليه عادة (5).
لقد تحقق ما كان يتوقعه المعارضون للمعاهدة، فسرعان ما ظهرت نوايا العدو، ومقاصده السيئة، حيث لم يدم الحال طويلا، إذ نقضت فرنسا
(1) دبوز نهضة الجزائر ج 1 ص (14) فرحات ليل الاستعمار ص (79 - 81). (2) لأن الميزابيين لا يستطيعون مقاومة هذا الزحف بالقوة، والتصدي له بالسلاح فلجؤوا إلى
المعاهدة.
(3) طلاي ميزاب بلد كفاح ص (46، (47) جغلول: الاستعمار والصراعات الثقافية في الجزائر
ص (11).
(4) طلاي ميزاب بلد كفاح ص (49).
(5) النوري نبذة من حياة الميزابيين ج 1 ص (138).