معالم ورؤى
الجزء ١ · صفحة ١٤٩الباب الثاني: الشيخ أطفيش: عصره وحياته
149
ومن النوادر الدالة على ثقة الشيخ بالله تعالى أنه لما توجه إلى الحج سافر من تونس إلى طرابلس على سفينة شراعية، فبينما هي في عرض البحر؛ إذ هبت عاصفة شديدة جدًا، وأتلفت قلعة السفينة، وذهبت بها عن طريق الجادة، إلى الوسط، وبلغ الأمر إلى حد أن استسلم كل من فيها للقضاء، وأيقنوا بالهلاك، فجاءه رفقاؤه فوجدوه مطمئنا هادئًا كأن لم يحدث شيء، وبشرهم
(1)
بالسلامة، والوصول إلى طرابلس قريبا، فكان الأمر على ما قال إن رحلات
(2)
الشيخ أطفيش وأسفاره وإن كانت قليلة إلا أنها قد فتحت له آفاقا رحبة جديدة، ودلته إلى نوافذ واسعة، وقادته إلى أبواب جديدة ضافية، تعرّف من خلالها على أوضاع العالم الإسلامي وظروفه وأحواله، وخير تداعياته وعلله وأمراضه، فقد التقى بعدد من أعلام الفكر الإسلامي وأقطابه، وناقشهم وناظرهم، وتوثقت الصلة بينه وبين كثير من العلماء في الأقطار الإسلامية عن طريق المراسلات (2) كما أنه اطلع على عدد من المؤلفات الإسلامية، التي لم تكن موجودة ببلده فاستفاد منها، وخاصة كتب الحديث الشريف، إذ يقول: وكانت كتب الحديث غير موجودة في مضاب، ورأى مالكي عالم من أهل مكة مضاببًا ينسخ شرح النيل في مكة، ولم يجد فيه الحديث كثيرا، فأعطاني البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة، والنسائي وأبا داود وغير ذلك، وأنا حاضر في مكة، فانتفعت بتلك الكتب، كما انتفعت بصحيح الربيع بن حبيب، فجمعت منها وفاء الضمانة، وجامع الشمل في حديث خير الرسل» (3) وفي هذه الرحلات والأسفار تعرف الشيخ أطفيش على حقيقة العالم الإسلامي،
(1) أطفيش الذهب الخالص المقدمة ص ج. (2) أطفيش: مجموع الرسائل مخطوط، کشف الكرب ج 1 ص (5) وما بعدها ـ رسائل إلى إخوانه العُمانيين، ج 2 ص (31)، (32) المعلقات لأصحابنا جوابات الشيخ لبعض علماء عُمان في الرد
على الصفرية ص (2 ـ 5).
(3) أطفيش تيسير التفسير ج 10 ص (201).