معالم ورؤى
الجزء ١ · صفحة ٢٩٨298
معالم ورؤى
على تسميته بالكلام النفسي، وهذا لم يقل أحد بحدوثه. أما الذين قالوا بخلق القرآن فما أرادوا بذلك الكلام النفسي، وإنما أرادوا هذا القرآن الذي بين أيدينا، المكتوب في المصاحف المتلو بالألسن المحفوظ في الصدور .... الخ وهذا لم يقل عاقل بقدمه إلا غلاة الحنابلة والحشوية، والكرامية). ولقد أنكر الإمام الفخر الرازي على الحنابلة القائلين بقدم الحروف القرآنية عند تفسيره لقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيَا أَوْ مِن وَرَابِي حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلَى حَكِيمُ﴾} [الشورى: 51] حيث يقول في شأنهم: «وهؤلاء أخس من أن يذكروا في زمرة العقلاء، واتفق أني قلت يوما لبعضهم لو تكلم الله بهذه الحروف إما إن يتكلم بها دفعة واحدة، أو على التعاقب، والتوالي، والأول باطل؛ لأن التكلم بجملة هذه الحروف دفعة واحدة لا يفيد هذا النظم المركب على هذا التعاقب والتوالي، فوجب أن لا يكون هذا النظم المركب من هذه الحروف المتوالية كلام الله تعالى، والثاني باطل؛ لأنه لو تكلم بها على التوالي، والتعاقب كانت محدثة، ولما سمع ذلك الرجل هذا الكلام، قال الواجب علينا أن نُقرَّ ونمُرَّ، يعني نقر بأن القرآن، قديم، ونمر على هذا الكلام على وفق ما سمعناه، فتعجب من سلامة قلب ذلك القائل، وأما العقلاء من الناس، فقد أطبقوا على أن هذه الحروف، والأصوات كائنة بعد أن لم تكن حاصلة بعد أن كانت معدومة، ثم اختلفت عباراتهم في أنها هل هي مخلوقة أو لا يقال ذلك، بل يقال إنها حادثة، أو يعبر عنها بعبارة أخرى» (2).
ويقول السيابي مبينا مدى اهتمام الحنابلة بمسألة خلق القرآن، وسبب ذلك: «. بينما الحنابلة يرونها من أهم مسائل العقيدة، ويهتمون بها اهتمامًا
(1) السالمي: مشارق أنوار العقول ج 2 ص (59) الرازي: مفاتيح الغيب مجلد 7 ج 14 ص (186). (2) الرازي: مفاتيح الغيب مجلد 14 ج 27 ص (161).