معالم ورؤى
الجزء ١ · صفحة ٣٠٣الباب الثالث: منهج الشيخ أطفيش في التفسير
303
الأول: أن الكلمة لا تكون إلا إذا كانت حروفًا متوالية، فالسابق المنقضي محدث؛ لأن ما ثبت عدمه امتنع، قدمه والآتي الحادث بعد انقضاء الأول لا شك أنه حادث، والثاني: أن الحروف التي منها تألفت الكلمة إن حصلت دفعة واحدة، لم تحصل الكلمة لأن الكلمة الثلاثية يمكن وقوعها على التقاليب الستة، فلو حصلت الحروف معا، لم يكن وقوعها على بعض تلك الوجوه
أولى من وقوعها على سائرها، ولو حصلت على التعاقب كانت حادثة» (1).
بل ذهب إلى أبعد من هذا عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَيْنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: 143] حيث يقول: «دلت الآية على أنه تعالى كلم موسى، والناس مختلفون في كلام الله تعالى، فمنهم من قال: كلامه عبارة عن الحروف المؤلفة المنتظمة، ومنهم من قال كلامه صفة حقيقية مغايرة للحروف والأصوات، أما القائلون بالقول الأول فالعقلاء المحصلون، اتفقوا على أنه يجب كونه حادثا كائنا بعد أن لم يكن، وزعمت الحنابلة، والحشوية أن الكلام المركب من الحروف والأصوات قديم، وهذا القول أخس من أن يلتفت العاقل إليه» (2).
وقال أيضا في معرض رده على المعتزلة عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿مَا يأتيهم من ذِكْرِ مِن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: 2]: «المعتزلة احتجوا على حدوث القرآن بهذه الآية فقالوا القرآن ذكر والذكر محدث فالقرآن، محدث، بيان أن القرآن ذكر قوله تعالى في صفة القرآن: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ العلمينَ﴾ [ص: 87] .. والجواب من وجهين الأول: أن قوله: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ .... إشارة إلى المركب من الحروف والأصوات، فإذا ضممنا إليه قوله: مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم تُحْدَثٍ لزم حدوث المركب من الحروف
(1) الرازي: مفاتيح الغيب مجلد 1 ج 1 ص (36). (2) الرازي: مفاتيح الغيب مجلد 7 ج 14 ص (186).